خطاب سيادة رئيس الجمهوريّة الباجي قائد السبسي بمناسبة الاحتفال بحصول الرباعي الراعي للحوار على جائزة نوبل للسّلام

السيّد رئيس مجلس نواب الشّعب،
السيّد رئيس الحكومة،
السيّدة رئيسة الاتحاد التونسي للصّناعة والتجارة والصّناعات التّقليديّة،
السيّد الأمين العام للإتّحاد التّونسي للشّغل،
السيّد عميد هيئة المحامين،
السيّد رئيس الرّابطة التّونسيّة للدّفاع عن حقوق الانسان،
أيها الضيوف الكرام.

يسرّني أن ألتقي بكم في هذا الحفل البهيج وأنا كلّي فخر واعتزاز في مناسبة متميزة برمزيتها ومعانيها العميقة.
إنها جائزة نوبل للسّلام التي مُنحت للرّباعي التّونسي الذي رعى حوارا وطنيا أنجزناه بنجاح وحققنا بفضله النّقلة النّوعيّة والانتقال الدّيمقراطي السّلس والسّليم لدولتنا ومؤسّساتنا ومجتمعنا.
وما يزيدنا اعتزازا بهذه الجائزة ذات الأهميّة السّياسية الكبرى أنّها ولأول مرّة في تاريخها تمنح لا لشخصيات بعينها ولا لمؤسّسة بعينها وإنّما لمجوعة من الجمعيات تكريما لجُهدٍ مشترك وإنجاز وطني جماعي أخرج بلادنا من أزمة سياسية خانقة وصحّح مسارها السّياسي على قاعدة الوفاق الوطني.
فالإتّحاد العام التّونسي للشّغل والإتحاد التّونسي للصّناعة والتّجارة والرّابطة التّونسيّة للدّفاع عن حقوق الإنسان وعمادة المحامين التّونسيين، هذه المنظّمات الوطنية العريقة التي لكلّ منها تاريخها الخاص ومساهمتها المعترف بها وطنيا ودوليا، وحّدت جهودها حول هدف أعلى لإنقاذ البلاد من شبح الحرب الأهلية والفوضى في صائفة 2013 فحقّقت المعجزة وجسّدت انتصارا حاسما لمفهوم الوحدة الوطنية على مخاطر الانقسام والفتنة المدمّرة.
وعندما كتبت شخصيّا الرسالة التي وجّهتها إلى اللّجنة المسؤولة على منح الجائزة في جانفي 2015 استحضرت كل تلك المعاني الإنسانيّة والقيم الكونيّة النّبيلة التي من أجلها نستحقّ ذلك التّكريم المتميّز وأذكر منها أن الدّول الصغيرة قادرة على أن تعطي المّثل للعالم أجمع. ولقد أعطت تونس المثل بثورتها السّلمية والمدنية. فالرّباعي الرّاعي للحوار أعاد الاعتبار لقيمة الحوار والتّوافق في عالم تسوده الهزّات العنيفة والتّطاحن. كما أن تونس، بما أنجزته، أثبتت أنّ الثورات السلمية ممكنة وبها تنمو الدّيمقراطية وتنجح.
وها قد استجابت الهيئة المانحة لرغباتنا وغمرتنا بتكريمها للشّعب التّونسي ولمجتمعه المدني من خلال المنظّمات التي رعت ذلك الحوار الوطني المثمر فهنيئا لها وهنيئا للشّعب التّونسي بأسره ولكلّ محبّي السّلم والحريّة والعدالة في العالم.

ولئن كان من الطّبيعي أن يغمرنا الشّعور بالنّخوة والاعتزاز في هذا الموكب الاحتفالي البهيج فإنّ هذا لن يحجب عنّا حقيقة أعمق وهي أن هذا التّشريف ذو الأبعاد الكونيّة يحمّلنا أيضا مسؤولية استثنائيّة أخلاقية وسياسية وحضارية.

ونحن ندرك اليوم أنّ ما أنجزناه على طريق البناء الدّيمقراطي والاستقرار الاجتماعي وترسيخ قيم الحوار والتّوافق والتّداول السّلمي على السّلطة واحترام الحرّيات والتّعددية ونبذ العنف والتطرّف، إنّما هو مكاسب عظيمة قامت على أساس تمشٍّ سليم وقيم فلسفية وإنسانية استوحيناها من تاريخنا ومن تجاربنا الثريّة وكذلك من التراث الإنساني الكوني.
ولسوف يدعم هذا الاعتراف العالمي الجليّ توجّهاتنا ويشجّعنا على التقدّم في هذا الطريق وهو ليس بالطّريق السّهل والمملوء بالورود. فلقد قدّمنا التّضحيات والشّهداء ونزلنا إلى الميدان وخضنا معارك قاسية وكان سلاحنا الوحيد عزيمتنا وإيماننا بأنّ هذا الوطن يستحقّ أن ينعم بالحريّة والأمان وأنّ الشّعب التّونسي شعب متحضّر ومسالم وقادر على التّمييز بين الفوضى والدّيمقراطية الحقيقيّة. ومن أجل ذلك وضعنا المصلحة العليا للوطن فوق الاعتبارات الذّاتية والحزبية والفئويّة وراهنّا على الحوار والتّوافق كأسلوب لإدارة الخلافات السّياسية وعلى التّعايش وقبول الاختلاف والتّعدديّة كنمط لتنظيم الحياة السّياسيّة والفكرية في بلادنا.
وإذ كان هذا التشريف عنوانا إضافيا على انخراطنا الكامل في الحضارة الكونيّة وقيمها فإنّه ليس بالغريب عن تاريخنا وحضارتنا. فأنتم تعلمون أن البلاد التّونسيّة هي من أكثر البلدان العربية والإفريقية انفتاحا على العالم وقبولا بجدليّة الأخذ والعطاء والتّأثير والتأثّر التي أصبحت من سمات هويّتنا. فتونس من أوّل البلدان المتوسطيّة التي ألغت الرقّ ونحن سنحتفل في السّنة القادمة بمرور 170 سنة على إلغاء العبوديّة. وهي أوّل من وضع إعلانا لحقوق الإنسان في جنوب المتوسّط وأوّل دستور في العالم الإسلامي منذ منتصف القرن التّاسع عشر. وتحرير الإنسان التّونسي في دولتنا الوطنيّة المستقلة مرّ عبر تحرير المرأة وتحرير العقول عبر نشر التّعليم والمعرفة.
وحتى جائزة نوبل ذاتها ليست بغريبة عن تاريخنا الحديث. فالدكتور شارل نيكول الذي نال جائزة نوبل للطب سنة 1928 من أجل أبحاثه الرّياديّة في مجال الأمراض الوبائيّة في معهد باستور بتونس كان فرنسي المولد والجنسيّة ولكنه اختار عن وعي وطواعيّة تونس كبلده الثّاني فعمل فيه بتفانٍ وإخلاص ومات ودفن فيه.
فلنكن في مستوى ثقة وتقدير العالم وفي مستوى الطّموحات التي تسمو بنا إلى درجة الفعل الحضاري الكوني. فتونس البلد الصغير أثبت بفضل ذكاء وعزيمة بناته وأبنائه أنّه قادر على الفعل التّاريخي العظيم. فكلّما استثمرنا في الذّكاء البشري وفي التّفاعل الخلاّق مع القيم الكونيّة السّامية كلّما تقدّمنا وارتقينا
وأمامنا اليوم تحدّيات كبرى علينا أن نواجهها بنفس الذّكاء والحكمة والعزيمة.
فالمطلوب منّا اليوم أن نتوحّد حول ما يجمعنا ونتحاور بهدوء حول ما نختلف فيه. وقد وضعنا كلّ الأطر والمؤسّسات التي ندير فيها حواراتنا وخلافاتنا وننضج فيها الحلول والتّوافقات الممكنة حول كل قضايانا الحاضرة والمستقبليّة. وهذه هي الميزة الخالدة للدّيمقراطية. لأنها تُحوّل الإختلاف إلى نعمة وليس إلى نقمة. فهي تسمح عبر الحوار والإختيار الحرّ والتّداول السّلمي على السّلطة بتغليب الرّأي الأرجح وتسمح بالبحث عن صيغ التّوافق والتّشارك في إدارة الشّأن العام وتسمح للخلاف السّياسي

والفكري أن يعبّر عن نفسه بكامل الحريّة في إطار احترام قانون اللّعبة الدّيمقراطية.

والمطلوب منا اليوم أيضا أن نعرف كيف نستثمر بالنّجاعة اللازمة هذا التّكريم في الدّاخل وفي المحافل الدّولية.
ومن معاني الاستثمار الأولى أن نعي ونوعّي أجيال الشّباب التّونسي في المدارس والجامعات بالقيمة الرّمزيّة والحضاريّة لهذه الجائزة الأعلى قيمة في العالم. فننشر ثقافة السّلم والتّنوع التي هي منّا ومن تراثنا وننبذ ثقافة العنف والتطرّف التي ليست منا ولا من تراثنا.
هذا العمل الضّروري والممكن سيزيدنا إشعاعا ويجلب لنا احترام الأمم والشّعوب المحبّة للسّلام. وهذا شيء مُتاح ومطلوب لأنّ في الاستثمار الثّقافي والفكري لهذا اللّقب الجديد على صعيد دولي فرصة لتجديد التّضامن الأممي مع تونس في مسيرتها التّنمويّة السّلمية والدّيمقراطية.
فأصدقاءنا اليوم كُثّر ومتواجدون في كلّ بقاع الدّنيا ونحن في حاجة إلى التّضامن الدّولي لأنّ التّحديات والمخاطر كبيرة وأوّلها آفة الإرهاب التي عطّلت قطاعات حيويّة في اقتصادنا وفوّتت علينا فرصا ثمينة للاستثمار. فعلينا أن نسترجع الثّقة في قدراتنا وعلى أصدقاءنا في الشّرق وفي الغرب أن يسترجعوا الثّقة في حيوية اقتصادنا وفي قدرة نخبنا وفي مهاراتنا.
وأعوّل كثيرا على إبداع النّخب المثقّفة في البلاد حتى تجوب العالم لتعرّف الرّأي العام أينما كان بالعمق الإنساني والأبعاد الكونيّة للتّجربة التّونسيّة والتي من أجلها نلنا جائزة نوبل للسّلام. فالتواصل الثّقافي اليوم أصبح عاملا حاسما في تحريك الدّورة الاقتصاديّة والسّياحية العالميّة. والمحافل والمراكز الثّقافية الدّولية تنتظر مبادراتكم وإبداعاتكم لتضعوا تونس في المستوى التي تستحق في أنظار العالم.
وأنا على يقين من أنّ العالم سيدعم مبادراتنا وسينظر إلينا بكلّ إعجاب وتقدير. ونحن إذ نعوّل في المقام الأوّل على أنفسنا وعلى قدراتنا الذّاتية في مجابهة التّحدّيات التّنمويّة والأمنيّة فإنّنا ننتظر من أصدقاءنا المزيد من التّضامن والدّعم لأنّ العالم أصبح كالقرية الصّغيرة والأخطار أصبحت عابرة للقارات وللحدود. فكلّما نجحت تجربة إنسانيّة في بلد ما إلا وأشعّت على محيطها إيجابا وكلما انتكس بلد مهما كان حجمه إلا وامتدت ظلال نكسته إلى جيرانه.
فالتّضامن الدّولي هو من المبادئ الأساسيّة التي تقوم عليها اليوم العلاقات الدّولية وهو القاعدة الماديّة والمعنويّة الصّلبة لدوام السّلم العالمية.
ومن جهتنا سوف نعمل على دوام الاستقرار والسّلم الاجتماعيين كشرط أساسي للخروج باقتصادنا من حالة الرّكود التي طالت مدّتها.
كما سنعمل بنفس الثّبات والثّقة على توفير المناخ السّياسي والاجتماعي والنّفسي ليشعر التّونسي بالاطمئنان ويسترجع الثّقة في قدراته وحظوظه أينما كان، مهما كانت قناعاته ومهما كان موقعه.
ففلسفة التّصالح مع الذّات ومع الآخرين ومع التّاريخ هي التي قادتنا في البحث عن سبل التّوافق لإنقاذ البلاد من أخطار الصّراعات والعنف وهي التي تقودنا اليوم لإيجاد صيغ المصالحة بين كلّ التّونسيين والتّونسيات لأن تونس لجميع أبنائها لا تحتمل الإقصاء ولا التّهميش.
وفي الختام أجدّد تحياتي وإكباري لممثلي الرباعي المحتفى به وللشّعب التّونسي وأشكر ضيوفنا الكرام على مشاركتهم لنا هذا الحفل الكريم كما أبعث برسالة تحيّة وإكبار إلى اللّجنة المانحة لجائزة نوبل على اختيارها المشجّع للشّعب التّونسي المسالم والمحب للكرامة والسّلام والحريّة
والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المكان : قصر قرطاج
التاريخ: 09 نوفمبر 2015
شارك :

الأخبار ذات الصلة

الصفحات

Layout Settings