كلمة سيادة رئيس الجمهوريّة أمام البرلمان السّويدي

السّيّد الرّئيس،
حضرات السّيّدات والسّادة الأعضاء،

أَوَدُّ في البداية أن أتوجّه إليكم بالشّكر الجزيل على ترحيبكم الحارّ وأن أُعرب، من خلالكم، لصاحب الجلالة الملك كارل السّادس عشر غوستاف وللشّعب السّويدي عن عميق امتناني لحفاوةِ الاستقبال وكرمِ الوِفَادَة اللّذين حَظِينَا بِهِمَا مُنذ حُلولنا ببلدكم الصّديق
وإنّي أعتبرُ دَعوتَكُم لي لمُخاطبة ممثّلي الشّعب السّويدي في هذه المُؤسّسة العَريقة تكريمًا لتُونس ولِمَا حَقّقُه شَعبُها خلال السّنوات الأخيرة من انجازاتٍ في سبيل إرساء نموذجٍ ديمقراطيٍّ يستمدُّ مقوّماته الأساسيّة من الانخراط في القِيَم الكونيّة والتّشبّث بالحرّيّة ومبادئ حقوق الانسان.

السّيّد الرّئيس،
حضرات السّيّدات والسّادة الأعضاء،
أَحِلُّ اليوم بَيْنَكُم بعد خمسين سنة من الزّيارة التّاريخيّة التي أدّاها سنة 1963 الزّعيم الرّاحل الحبيب بورقيبة، مُؤسّس الدّولة العصريّة ورئيس الجمهوريّة الأولى، والتي كانت مناسبةً عبّر خلالها عن شُكر شعب تونس وتقديره لما قدّمته مملكة السّويد من دعمٍ ومُساندة أثناء فترة التّحرر الوطني ومُساهمتها في تعزيز اللّبنات الأولى لمُؤسّسات الدّولة التّونسيّة الفَتِيّة
ومن أحسن الصُّدف، أن تَتَزَامنَ زيارتي مع حدثٍ تاريخيٍّ مُميّز كان لبلدكم الصّديق دورٌ أساسيٌّ في تحقيقه، أَلاَ وهو إسناد جائزة نوبل للسّلام للرّباعي الرّاعي للحوار المُتكوّن من جمعيّات وطنيّة عريقة وهي الاتّحاد العام التّونسي للشّغل والاتّحاد التّونسي للصّناعة والتّجارة والصّناعات التّقليديّة والرّابطة التّونسيّة للدّفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنيّة للمُحامين
السّيّد الرّئيس،
حضرات السّيّدات والسّادة الأعضاء،
لقد شَهِدَتْ تُونس منذ سنة 2011 تجربةً فريدة في الانتقال الدّيمقراطي تَخَلَّلَتْهَا فَتَرَاتُ مدٍّ وجزرٍ وأزمات كَادَتْ تَعْصِفُ بِهَا
وَلَعَلَّ المَخَاطر الجسيمة التي كانت مُحدقةً بالبلاد، وحِرْصِي على نجاح المسار الانتقالي الذي شَرَعْنَا فيه بعد ثورة 2011، هي التي دَفَعَتْنِي لِتَلْبِيَةِ نِداء الواجب بعد اكثر من 21 سنة من اعتزال الحياة السّياسيّة. إذ قَبِلْتُ، أَشْهُرًا قليلةً بعد الثّورة، في مناخٍ وطني استثنائي طَغَتْ عَلَيْهِ التّحرّكات الاجتماعيّة والتّهديدات الأمنيّة والأوضاع الاقتصاديّة الهشّة، تَحَمُّلَ مسؤوليّة رئاسة الحكومة
وَرَغْمَ صُعوبَة الظّرف الوطني والإقليمي، نَجَحْنَا في تنظيم أوّل انتخاباتٍ حُرّة ونَزيهة للمجلس الوطني التّأسيسي سنة 2011، سَلّمْتُ عَقِبَهَا مَقاليد الحُكم، في مَشْهَدٍ حَضَارِيٍّ نَادرٍ في المنطقـة العربيّـة، إلى رئيـس حكومـةٍ جديـد نَالَ حِزْبُهُ، حركة النّهضة ذي المرجعيّة الإسلاميّة، أغلبيّةً نسبيّة في الانتخابات.

غير أنّه تَبَيّنَ بعد سَنتيْنِ من مُمارسة حزب حركة النّهضة وشَريكيْهِ في السّلطة، جُنوح الحُكّام الجُدد إلى تغيير نَمَطِ عيش التّونسيّين وتقسيمهم إلى إسلاميّين وعلمانيّين. وهو ما اضطرّني مرّةً أخرى للعودة للحياة السّياسيّة سنة 2012 من خلال بَعْثِ حزبٍ جديد قادر على لَمِّ شَمْلِ العائلة الدّيمقراطيّة وتَجَاوُزِ حالة الاستقطاب السّياسي وتحقيق التّوازن المَنشُود في الحياة السّياسيّة.

وأمام تَفَاقُم حِدَّةِ الاستقطاب الثّنائي، دَعَوْتُ قيادة الحزب الحاكم آنذاك لاختيار الحوار نَهْجًا لتسوية الأزمة السّياسيّة الخَانِقَة والوُصول إلى حُلول تَوافُقيّة تُرضِي جميع الأطراف. وهو ما يَسَّرَ عمليّة انطلاق الحوار الوطني برعاية الرُّباعي وبِمُشاركة الأحزاب السّياسيّة بمُختلف أطيافِها
وقد بَرْهَنَ هذا الحِوَار، الذي كَرَّمَتْ لجنةُ نُوبل للسّلام الأطراف الرّاعية لَهُ، على قُدرة النُّخبة السّياسيّة والقُوى المَدنيّة الفاعلة على الوُصول إلى تَوَافُقاتٍ تَنْأَى بالبلاد عن التّجاذُبات الإيديولوجيّة والحزبيّة والمصالح الفئويّة الضّيّقة، وهو ما لم تُفلح في تحقيقه بعض دُول المنطقة التي انْجَرَّت إلى حروبٍ أهليّة مُدَمِّرَة
ويَعودُ الفضلُ في ذلك لوُجود مُجتمعٍ مدنيٍّ يَقِظ ومُؤسّسةٍ عسكريّة جمهوريّة ومُحايدة. كَمَا أنّ الحُضورٍ المُتميّز والمُتفرّد للمرأة التّونسيّة في الحياة العامّة، وما تَنْعَمُ به من حُقوق جوهريّة أَقَرَّتْهَا مجلّة الأحوال الشّخصيّة مُنذ سنة 1956، والانجازات التي تمّ تحقيقُها في مجال تعميم التّعليم، سَاهَمَتْ بشكلٍ حاسم في تأمين مسار الانتقال الدّيمقراطي. لكنّ العامل المُحَدِّد، وهو ثَمْرَةُ كلّ هذه العناصر، يَكمُن في التّوافق الذي كان السّمة الأساسيّة لهذه المرحلة.
ولقد تُوّجت المرحلة الأولى للانتقال الدّيمقراطي بِسَنِّ دُستورٍ حَدَاثِي لدولةٍ مدنيّةٍ عصريّة، اسْتَأْنَسَ وَاضِعُوهُ بالدّستور السّويدي ودساتير مُتقدّمة أخرى، وبإجراء انتخاباتٍ تشريعيّة ورئاسيّة شَهَدَ العالم بشفافيّتها ونزاهتها
وقد أفْضَتْ تلك الانتخابات في موفّى سنة 2014 إلى اختيار رئيس جمهوريّة جديد عن طريق الاقتراع الحرّ والمُباشر وانتخاب مجلس نُوّابٍ تَعَدُّدي مَكَّنَ من تشكيل حُكومة ائتلاف تَحْظَى بِدَعْمِ طيفٍ واسعٍ من الأحزاب السّياسيّة المُمَثّلة في البرلمان الجديد، بِمَا في ذلك حزب حركة النّهضة، وَلَهَا المصداقيّة الكافية لاتّخاذ الإصلاحات الهيكليّة الكفيلة بإنعاش الاقتصاد الوطني وتحقيق التّنمية الاجتماعيّة في كَنَفِ التّوافق والسِّلْم الاجتماعي
وقد بَرْهَنَتْ تُونس بهذا الخِيَار على أنّ الدّيمقراطيّة مُمكنة وضروريّة في المنطقة العربيّة والإسلاميّة وأنّ الاحتكام لإرادة الشّعب بآليات عصريّة لا يَتَضَاربُ مع الاسلام.
السّيّد الرّئيس،
حضرات السّيّدات والسّادة الأعضاء،
اصْطَدَمَتْ تُونس، كَغَيْرِهَا من الدّول التي شَهِدَت فَتَرَاتٍ انتقاليّة، بِكَمٍّ هَائلٍ من التّحدّيات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، في طَلِيعتِها البطالة الخانقة لِعَددٍ هامّ من الشّبّان وضرورة تَدَارُكِ الحَيْف الذي طال الجهات الدّاخليّة والاستجابة لمطالبها المشروعة في التّنمية والتّشغيل. وازدَادَتْ وطأةُ هذه التّحدّيات بتَفَاقُم الإرهاب والعُنف والتّطرّف

ونحنُ عَازِمُونَ، بِدَعْمٍ من أصدقائنا وشُركائنا، على إحْبَاط مشروع الجماعات الإرهابيّة الرّامي إلى تَقْويض سُلطة الدّولة ونشْر الفَوضَى. وَلَنْ تَزِيدَنَا مُحاولاتُهم اليَائسة، كَتِلْكَ التي ضَرَبَتْ متحف باردو أو المُنتجع السّياحي بسُوسة خلال هذه السّنة، إلاّ تصميمًا على التّصدّي لهذه الظّاهرة واقتلاع أسْبَابِهَا.

كما أنّ الحكومة الجديدة تَعْمَلُ منذ تَكْوينِها على توفير بيئةٍ اقتصاديّة سَليمة تُحَفِّزُ الاستثمار وتُسرّع وَتِيرَةَ خَلْقِ مَوَاطِن الشّغل لخرّيجي الجامعات والشّباب، خاصّة في المناطق الدّاخليّة، وذلك من خلال دَعْم المُبادرة والشّراكة مع القطاع الخاص وإصدار مجلّةٍ جديدة للاستثمارات وإصلاح الجِبَايَة.
إنّنا نُعوّل على إمكانيّاتنا وطاقاتنا والمَزَايَا التّفاضليّة لاقتصادنا. فَتُونس، ذات الموقع الجغرافي المُتميّز، تتوفّر على طاقات شابّة ومُتعلّمة وكُفئة، وبُنية أساسيّة متطوّرة، واقتصاد مُنفتح ومُندمج في السّوق العالميّة. وهو مَا يُؤهّل تُونس لأن تَكُون منصّة حقيقيّة للاستثمارات والصّادرات السّويديّة إلى المنطقتين العربيّة والافريقيّة.
ويُمثّل المناخ السّياسي والاجتماعي الجديد الذي أفْرَزَتْهُ الانتخابات خَيْرُ حافزٍ لاستعادة ثقة الاستثمار الأجنبي والمُؤسّسات الماليّة العالميّة في بلادنا كَوِجْهَةٍ ديمقراطيّةٍ مُستقرّةٍ وواعدة
وإنّنا نتطلّع لدعمٍ قوي من شُركاء تُونس، وفي طليعتهم المملكة السّويديّة، لإعادة الثّقة إلى المُستثمرين والمَانِحِين الدّوليّين. ونَطْمَحُ من وَرَاء تنظيم منتدى الأعمال الذي سَيَجْمَعُ غدًا رجال أعمال تُونسّيين وسُويديّين إلى إرساء شَرَاكة دائمة بين القطاع الخاص في تُونس والسّويد وتطوير المُبادلات الاقتصاديّة والتّجاريّة بين بَلَدَيْنَا.
وَمِنْ شَأْنِ هذا الدّعم أن يُساهم في تعزيز دَعَائِم الدّيمقراطيّة ومناخ الاستقرار في البلاد. فالاستثمار في تُونس تَثْبِيتٌ للْقِيَمِ الدّيمقراطيّة ومُهمٌّ لاستقرار الأوضاع في البلاد، لأنّ استقرار تُونس ضمانٌ لاستقرار المنطقة كُلِّهَا.
السّيّد الرّئيس،
حضرات السّيّدات والسّادة الأعضاء،
إنّ تُونس والسّويد تَجْمَعُهُمَا أَوَاصرُ صداقةٍ عريقة تَعُودُ إلى بِدَايَات القرن الثّامن عشر حِينَ أمْضَى البَلَدَان أوّل مُعاهدةٍ بينهُما حول السّلام والتّجارة في 23 ديسمبر 1736 قَبْلَ أن تَفْتَحَ السّويد أوّل قنصليّة لها في تُونس سنة 1737.
وكانت المملكة السّويديّة في طَليعةِ الدّول التي تُساند تُونس في معركتها التّحريريّة، وتَعْتَرِفُ باستقلالها، وتَدْعَمُهَا في مسيرتها التّنمويّة. كما كانت سبّاقةً في رسكلة جُزءٍ من الدُّيونِ التّونسيّة في بداية التّسعينيّات
ولإعطاءِ زَخَمٍ جَديد لعلاقاتنا الثّنائيّة، فإنّنا نُعوّلُ على صداقتنا العريقة وما أصبحنا نَتَقَاسَمُه من قِيمٍ ديمقراطيّة وإنسانيّة مُشتركة، وعلى رأسها الخيارات الجوهريّة القائمة على حرّيّة المرأة ونشر التّعليم والرّعاية الاجتماعيّة.
وإنّنا نَطْمَحُ إلى أن يُرافق بلدُكُم الصّديق جُهودنا الإصلاحيّة بإعادة إدراج تُونس، بصفة استثنائيّة، ضِمْنَ البُلدان المُستفيدة من المُساعدة من أجل التّنمية ومَنْحِهَا مُجَدّدًا تَمويلاتٍ بِشُرُوطٍ تَفَاضُليّة مُيَسَّرة
ونَأمَلُ أن تَكُون هذه الزّيارة بِدَايَةَ زَخَمٍ جديد للتّقارب بين بَلَدَيْنا. وَلَنَا في التّجربة السّويديّة الرّائدة في الحَوْكَمَة الرّشيدة والتّنمية المُستدامة والعدالة الاجتماعيّة وحماية البيئة وتَمْكِين المرأة مجالاتٍ رَحْبَة لتوثيق التّعاون الثنائي والثّلاثي ومُتعدّد الأطراف. وَمَا انْضِمَامُ تُونس إلى جانب مملكة السّويد

لمجموعة العمل الدّوليّة لضمان تفعيل الأهداف التّنمويّة إلى مُوفّى سنة 2030 إلاّ تأكيدًا على التزامنا المبدئي المُشترك تُجاه قضايا التّنمية في العالم.

السّيّد الرّئيس،
حضرات السّيّدات والسّادة الأعضاء،
لقد سُئِلْتُ بِمُنَاسَبَةِ مُشاركتي في قِمَّة دُوفيل لمجموعة الثّمانية الكبار سنة 2011 عن رأيي فِيمَا يُسمّى بالرّبيع العربي. وَأَجَبْتُ حِينَهَا بِأنّهُ «ليس هُناك ربيعٌ عربي بَلْ بِدَايةُ ربيعٍ في تُونس» وأنّه «لن يَكُون هناك ربيعٌ إذا لم تنجح تُونس». وَلاَ زِلْتُ إلى الآن أُؤمن بأنّه ليس هناك ربيعٌ عربي بل بدايةُ ربيعٍ تُونسيٍّ
وليُصبِحَ النّمُوذَجُ التّونسي مَصْدَرَ إِلْهَامٍ فِعْلِيٍّ للشّعوب الطّامحة للتّحرّر من الاستبداد، فإنّه يَقَعُ على عَاتِقِ مجموعة العالم الحرّ وَاجبٌ أخلاقيٌّ بِدَعْمِهِ وتَحْصِينِهِ، لأنّ في ذلك مَصلحةُ التّونسيين أوّلاً والمنطقة والعالم ثانيًا
وَبِقَدْرِ ثِقَتِنَا في ثَبَاتِ وَعَزْمِ التّونسيّين والتّونسيّات، فإنّنا وَاثِقُونَ أيضًا من صداقتكم لشعب تُونس ومن وُقُوفِكُم مُجدّدًا إلى جَانِبِنَا لمُواصلةِ مَسيرةِ الإصلاح والبِنَاء.
وأشكُركُم شكراً جزيلاً

المكان : ستوكهولم
التاريخ: 04 نوفمبر 2015
شارك :

الأخبار ذات الصلة

الصفحات

Layout Settings