كلمة سيادة رئيس الجمهورية بمناسبة عيد الإستقلال

كلمة سيادة رئيس الجمهورية

محمّد الباجي قايد السبسي
الذكرى 59 لعيد الإستقلال
الجمهورية الثانية تجديد لدولة الاستقلال
وتواصل للمشروع الوطني التونسي
قرطاج، في 20 مارس 2015

بسم الله الرّحمان الرّحيم
أيّتها المواطنات، أيّها المواطنون،

كما تعلمون، تواجه بلادنا اليوم، حربا حقيقيّة على الإرهاب، فأحداث متحف باردو الأخيرة، تبيّن بكلّ وضوح أنّ الإرهاب أصبح يداهم المؤسّسات الحيويّة من أجل ضرب اقتصاد البلاد وتضييق الخناق على المجتمع بأسره.

ومن هذا المنطلق بالذّات بات من الضّروريّ مقاومته بكلّ ما أوتينا من جهد وهذا يتطلّب منّا جميعا وحدة وطنيّة وجدّية في التّعامل مع هذا الخطر ومزيدا من اليقظة من قبل جميع الأطراف أمنا وجيشا وأحزابا سياسيّة ومجتمعا مدنيّا هكذا يُصبح الانخراط في تبرير العنف والإرهاب غير مجد. علينا إذن التّعجيل بإصدار قانون مكافحة الإرهاب دون تردّد وتطبيق  القانون بكلّ صرامة حتّى نحمي أمننا وجيشنا وقضاءنا ومجتمعنا ومؤسّساتنا واقتصادنا وبالتّالي كامل بلادنا من هذا الخطر الدّاهم ونضرب بيد من حديد كلّ من تخوّل له نفسه رفع السّلاح في وجه مواطناتنا ومواطنينا.

نحيي اليوم الذكرى التاسعة والخمسون للاستقلال ونحن نشرع في تركيز مؤسسات الجمهورية الثانية فتونس اليوم لها دستورها التوافقي وقد نظمت انتخابات تشريعية ورئاسية نزيهة وشفافة. كما شكلنا حكومة حظيت بمساندة واسعة لدى مجلس نوّاب الشّعب والأحزاب ومكوّنات المجتمع المدنيّ، وهي ستشرع، وفقا لأهداف الثورة، في إصلاحات جوهريّة تتوّج مسار الانتقال الدّيمقراطيّ ولهذا التزامن دلالات أهمّها أنّ الثّورة الّتي قامت ضدّ الاستبداد والظّلم والحيف هي حلقة مكمّلة لمسار الإصلاح في تاريخنا المعاصر. وقد قلت منذ البداية في اجتماع دافوس في سنة 2011 حول ما يسمّى الرّبيع العربيّ».

ليس هناك ربيع عربيّ بل هناك بداية ربيع تونسيّ». وها أن تلك البداية أثمرت بفضل فطنة شعبنا وحنكة نخبنا انتقالا ديمقراطيّا سلميّا وتداولا على السّلطة وتمسّكا
بقيمنا التحرّرية إنّنا نعيش بمناسبة هذه الذّكرى تعميقا لمعاني الاستقلال ورمزيته، فقد جسّد الاستقلال مفهوم السّيادة ومكننا من بناء الدولة العصرية.

 وقد أكّدت الثّورة على الطّابع المدنيّ للدّولة ونظامها الجمهوريّ الديمقراطيّ. وليس من باب الصّدف أن يحافظ دستور 2014 على الفصل الأول من دستور 1959 كما هو وكما دافعتُ عليه شخصيّا».

تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها.
لذا من المهمّ إعادة قراءة تاريخنا المعاصر لتصحيح الرّؤى واستخلاص العبر للحاضر وللمستقبل صحيح أنّ الاستقلال كان تتويجا لملحمة تحريرية امتدت عبر أجيال متعاقبة تضرب جذورها في حركة إصلاحية شهدتها تونس منذ منتصف القرن التاسع عشر مرورا بحركة الشباب التونسي وصولا إلى أجيال الوطنيين الدستوريين والنّقابيين وغيرهم من الّذين حقّقوا هذا المطلب وقد صنع هذا التعاقب تميّز تونس منذ منتصف القرن التّاسع عشر للميلاد بإنجازات حضاريّة ذات أبعاد كونيّة تمثّلت بالأساس في إلغاء الرقّ سنة 1846 و عهد الأمان في سنة 1857 ووضع أوّل دستور عصري في العالم الإسلاميّ في 1861 أصبح فيما بعد مرجعا من مراجع الحركة الوطنية ولو عدنا إلى وثيقة الاستقلال ذاتها وتمعنا فيها، لاكتشفنا أنها أقرت مبدأ الاستقلال بصورة فعليّة ومتدرّجة في آن واحد حيث أنّها ألغت معاهدة الحماية الّتي تعود إلى سنة 1881 ولكنّها أقرّت في فقراتها اللاّحقة مبدأ التداخل في المصالح والعلاقات بشكل قنّن به المستعمر حضوره العسكريّ كما حافظ على مصالحه ومصالح معمريه وفرض وجوده في الإدارة وفي القضاء وفي الأمن. بحيث وجب علينا آنذاك استكمال السّيادة الفعليّة في معارك بعضها كان سلميّا وبعضها عنيفا ودمويّا.

 فبناء الدولة الوطنية كانت معركة استكمال للسّيادة، ففي نفس الوقت الذي كنا نُنشِئُ فيه المؤسّسات الدّستورية الجديدة ونحرّر المرأة ونؤسّس جيشا وطنيّا، كنّا نُتَوْنِسُ الأمن والإدارة ونطالب بالجلاء العسكريّ في مواجهات عنيفة في الجنوب في ماي 1958
ثم في بنزرت في معركة الجلاء في جويلية 1961 والتي دفعنا ثمنها غاليا بسبب عدم تكافؤ القوى وكنت آنذاك مشرفا على السلامة الترابية للأمن الوطني وقد أحصينا ما لا يقل عن ألف شهيد. وقد أحصينا ما لا يقلّ عن ألف شهيد. ثمّ حقّقنا الجلاء الزّراعي واسترجعنا 800 ألف هكتار من أراضينا.

هكذا تجسّد الاستقلال وأصبحت سيادتنا فعليّة. فوثيقة 20 مارس 1956 هيأت في اعتقادي شروط الاستقلال الكامل مثلما هيأت وثيقة الاستقلال الداخلي في جوان 1955 شروط الاستقلال السياسي وقد اقترنت تلك الملحمة بجيل من الوطنيين ورث عن الأجيال التي سبقته فكرتي الإصلاح وحبّ الوطن بدءا بجيل المصلح خير الدين مؤسس المدرسة الصادقية وصولا إلى جيل زعماء خاضوا معارك التحرير الوطني والاستقلال بقيادة الحبيب بورقيبة والمنجي سليم والشهيد فرحات حشاد وصالح بن يوسف وغيرهم، هؤلاء جميعا يجب أن ننظر إليهم كحلقات لسلسلة واحدة، سلسلة الآباء المؤسسين للدولة التونسية الحديثة، ومن واجبنا احترامهم وإجلالهم إن الحركة الوطنية قادتها نخب سياسية وفكرية في مقدمتها الحركة الدستورية الّتي تزعّمها الحبيب بورقيبة والّتي كانت متعدّدة الرّوافد والمكوّنات تماما مثلما هي تونس اليوم.

فالمكوّن النّقابيّ كان ملازما للمكوّن السّياسيّ إذ أنّ فرحات حشاد كان زعيما نقابيا رافعا للرّاية الوطنيّة إلى يوم استشهاده والمكوّن الفكريّ الثقافيّ كان ملازما للبعد الشّعبيّ العميق. فالحركة الوطنيّة لها رموز التّنوير والتحرّر مثل الفاضل ابن عاشور ومحمّد علي الحامي والطّاهر الحدّاد وأبي القاسم الشّابي كما كانت لها أيضا رموز من أبناء الشّعب الذين سقطوا في ساحات الكفاح ضدّ الاستعمار من ثورة الفراشيش في تالة سنة 1906 إلى معركة الجلاء ببنزرت مرورا بشهداء 9 أفريل 1938 هذا التاريخ لابد أن يُدرّس في المدارس والمعاهد والجامعات حتى يتمكّن الشّباب من معرفة تاريخه الوطنيّ والاعتزاز بانتمائه وحتّى لا نرى مرة أخرى تمثال الطّاهر الحدّاد يحطّم لأنّ في ذلك جهلا ونكرانا وهو عار علينا .

لقد وحّدت الحركة الوطنيّة البلاد والمجتمع، فبعد أن كنا جهات وقبائل متنافرة ومتناحرة، أصبحنا شعبا انصهرت فيه أفكار وقيم بلورتها أجيال من مصلحين وزعماء من كافة الجهات والطبقات بينها الصّادقي و الزّيتوني والعصامي وأعرف العديد منهم الّذين جمعهم حبّ الوطن على اختلاف توجّهاتهم وانتماءاتهم علينا ألاّ ننسى أن الفكر السّياسيّ التّونسيّ قد استوعب مبكّرا مبدأ أن تونس غير معزولة عن العالم وأن مقاومة الاستعمار ليست مجرّد مسألة مقاومة داخلية مهما كانت كفايتها، فكان على القادة أن يستوعبوا عصرهم وعالمهم، وقد ساعدهم ذلك على الاستفادة من المتغيّرات الدّوليّة والبحث عن الأصدقاء والمتعاطفين شرقا وغربا، ناهيك أنّ الزّعيم الحبيب بورقيبة لم يركن إلى إغراءات الإيطاليين الذين حرّروه من المعتقل سنة 1943 وأصدع بموقفه الدّاعي إلى نُصرة الحلفاء في الحرب العالميّة الثّانية، ذلك الانتصار الذي استفادت منه تونس فيما بعد لكسب التّعاطف والمساندة في المحافل الدّوليّة حتّى داخل المشهد السّياسيّ الفرنسيّ بالذّات.

لقد بنيت دولة الاستقلال على استيعاب عميق لمبادئ المعاصرة وقيمها، ممّا وفّر الأرضية لإنجاز نموذج مجتمعي معاصر، قوامه تحرير المرأة، وتوحيد القضاء، وتعميم التعليم الإجباريّ، وبذل المجهودات في المجال الصّحّي وتحديد النّسل، وتأميم الأراضي الاستعمارية، وتعميم الخدمات الاجتماعيّة وتطوير البنية التحتية هذه هي مكاسب الدّولة الوطنيّة التي تأسّست منذ عقود على عقد مدني ارتضاه التونسيون على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية والجهوية والفكرية غير أن ذلك المدّ الوطني انحرف للأسف عن مساره نتيجة بروز نزعة تسلطية عطلت مسار الإصلاح السياسي وغيّبت الممارسات الدّيمقراطيّة في إدارة شؤون الدّولة، وكنت من الّذين نبّهوا مع غيرنا إلى مخاطر تلك الانحرافات.

كلّ هذا فسح الطريق أمام الهيمنة على كلّ المقاليد واحتواء المنظمات، فغُيّبت الدّيمقراطية وفُتِح الباب للاستبداد والفساد واضطهاد القوى السّياسيّة والنّقابيّة والمدافعين عن حقوق الإنسان من كلّ الانتماءات كما فُتح الباب للتّعذيب والنّفي ومعامل المعارضين بصورة لا إنسانيّة لكن ذلك العقد المدني الذي بنته دولة الاستقلال لا يجب أن ينفلت لأنّ الثّورة جاءت لتصحيح الانحرافات بإرساء دعائم دولة المؤسسات الديمقراطية، وهو ما نسعى إليه صادقين.

لقد جاءت الثّورة لاستكمال المهمّات الوطنيّة الّتي لم تُنجز وفي مقدّمتها الدّيمقراطيّة والتّوازن الجهويّ حتّى لا تبقى أيّة مجموعة بمنأى عن مكاسب الاستقلال وحتّى لا ينمو فيها الشّعور بالتّهميش والإحباط وتُعدّ الدّيمقراطية المبنية على استقرار المؤسّسات وعلى تمثيليتها في قناعتنا، الإطار الأمثل لاستعادة المبادرة في معركة التنمية بأكبر طموح من ذي قبل. فنحن مطالبون اليوم بأن ترتقي جامعاتنا إلى مستويات عالمية وأن ينمو نسق صادراتنا الصناعية والفلاحية وتتنوّع وأن يرتفع مستوى الإنتاجية والنّجاعة و الإتقان في العمل حتّى يبلغ مستوى الدّول المتقدّمة، وهذا هو رهان الحاضر والمستقبل إن قراءة تاريخنا بصورة بنّاءة وإيجابيّة من شأنها أن تجعل هذا التّاريخ حافزا لنا بدل أن يكون حملا ثقيلا فالمسيرة الوطنيّة بكلّ تعقيداتها قد أثمرت دولة وطنيّة والدّولة الوطنيّة بدورها مع كلّ الضّغوطات الّتي عرفتها، قد بلورت نموذجا مجتمعيّا متطوّرا، فالكفاح الوطنيّ أنجز الاستقلال، والدولة الوطنية أنجزت مجتمعا متطوّرا، فعلينا أن نحمي هذه المكاسب وأن نرتقي بها وعلى رأسها الدّولة ذاتها باعتبارها الكيان الأوحد الضّامن لاستمراريّة المجتمع وتماسكه وأمنه فالقراءة السّلبيّة للتّاريخ تركّز اهتمامها على الأزمات والصّراعات والانشقاقات بما يجعل التاريخ سلسلة من الصّفحات المظلمة والمنفّرة للشّباب وعديمة الجدوى ولنا في أزمات الماضي القريب والبعيد خير دليل على خطر التفرقة باسم خلافات وهميّة أو عقائديّة أو جهويّة.

ينبغي علينا تجاوز هذه الثّنائيات القائمة على التضادّ والتعارض القديم وغير المجدي بين شمال وجنوب وبين دواخل وسواحل وبين النّزعة المحافظة والنّزعة الحداثيّة وبين ضغط الجماعة وحرية الفرد لأنّ الدّولة المدنيّة التي ننتصر إليها هي الكفيلة بمعالجة خلافاتنا وبناء التوافقات وحلّ الصّراعات في إطار نموذج تعاقديّ متطوّر ومتجدّد باستمرار فتونس لم تنجح ولم ترتق بشعبها إلا عندما توحدت حول هدف وطني مشترك. فعندما توحدت الحركة الوطنية حقّقنا الاستقلال، وعندما توحّدنا حول مقاومة التخلّف بنينا دولة وطنيّة حديثة ومؤمنة بحظوظها بين الأمم وكلما انقسم المجتمع تراجعنا إلى الوراء، فحذار إذن من الانقسام والاحتقان.

إنّ الثّورة بما أفضت إليه من مؤسسات تمثيليّة وتعديليّة وتوزيع بين السّلط وبروز قويّ للأحزاب ومنظّمات المجتمع المدنيّ ووسائل إعلام حرّة ومن آليات دستوريّة للمحاسبة والمصالحة تمثّل خير ضمان لإصلاح انحرافات الماضي وأخطائه على نهج البناء المتواصل للدّولة التّونسيّة الحداثيّة ذات السّيادة والمعتزّة بتاريخها وبجميع أبنائها مهما اختلفت بينهم الآراء والانتماءات. هكذا تبقى تونس مستقلّة وديمقراطيّة وإطارا يُوحّدنا.


أيّها المواطنون، أيّتها المواطنات،

تواجه بلادنا اليوم تحدّيات كبرى وفي مقدمتها التحديات الأمنية والتنموية ولا أحد يجهل حجم الصّعوبات ودقّة الظّرفية الإقليميّة والدّوليّة وهو ما يستدعي من الجميع اليقظة والمزيد من التوحد حول ما يجمعنا من أولويات فالأمن هو شرط أساسيّ للخروج من الأزمة الاقتصادية الّتي تعيشها تونس منذ سنوات وننبّه من خطر الإرهاب وضرورة مقاومته من طرف كلّ القوى الفاعلة، هذا الإرهاب الّذي لم يجد عندنا مساندة شعبيّة بل واجهه رفض وصمود من كلّ مكوّنات الدّولة وكل فئات المجتمع ومن أجل ذلك أدعو من جديد ومن منطلق مسؤوليّاتي إلى أن نسير قُدما نحو المُصالحة الوطنيّة الّتي تضمن حقّ الجميع وتفتح الطّريق للإسهام الجدّي في البناء بفضل رفع جميع القيود وتذليل العقبات أمام رجال الأعمال المعنيّين لكي يستعيدوا نشاطهم بعد إبرام الاتّفاقيّات الضّروريّة وصدور أحكام القضاء في شأنهم.

علينا بالتّعجيل برفع كل الحواجز بعد إيجاد إطار قانوني لهذا الصّلح وغلق هذه الملفّات نهائيا ذلك أنّ المصالحة الاقتصادية هي مكوّن حيويّ من المصالحة الوطنية الشاملة. فبقدر ما نحن حريصون على سلامة مسار العدالة الانتقالية، بقدر ما نؤكد على أهمّية المصالحة وعلى ضرورة أن نحرص على ألاّ تتحوّل العدالة الانتقاليّة إلى عدالة انتقاميّة.

فالبلاد لا تقدر على تحمّل المزايدات ولا الأحقاد ونحن نعاهدكم من موقعنا مثلما أكّدنا على ذلك مرارا أننا سنعمل على صون الوحدة الوطنيّة والاستقلال وسيادة الدّولة التّونسيّة المدنيّة ودستورها، وأن نتعاون مع كلّ المؤسّسات التشريعيّة والتّنفيذية والأمنيّة والقضائيّة والمدنيّة من أجل استشراف المستقبل وإرساء الإصلاحات الضّرورية لتقدم هذا الوطن ومناعته عاشت تونس حرّة مستقلة منيعة أبد الدهر.


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

المكان : قصر قرطاج
التاريخ: 20 مارس 2015
شارك :

الأخبار ذات الصلة

الصفحات

Layout Settings