إفتتاح مؤتمر دعم الاقتصاد والاستثمار "تونس 2020"

 كلمة رئيس الجمهورية في إفتتاح مؤتمر دعم الاقتصاد والاستثمار "تونس 2020" صباح اليوم الثلاثاء 29 نوفمبر 2016 بقصر المؤتمرات بالعاصمة:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

أصحاب السّموّ والفخامة،
أصحاب المعالي والسّعادة،
حضرات السيّدات والسّادة،
اسمحوا لي أن أتوجه بِأجملِ تحية وبأسمى عبارات التقدير والمودّة لقادَة الدّول الشقيقة والصّديقة، حَلَلْتُم أهلاً ونَزَلْتُم ضُيوفًا أجلاّء في بلدكم تُونس.
شُكراً خالصًا لكم على تلبيكم دعوتنا وحُضوركم الشّخصي في بادرةٍ نُثمّنُها عاليًا ونعتبرُها عُربونَ محبّةٍ وصداقةٍ لتونس وشعبها.
كما أودُّ أن أُعرب عن عميق الامتنان للدّول والمؤسّسات الدّوليّة التي رَعَتْ هذا المؤتمر وساهمت في الإعداد لإنجازه وأخصّ بالذّكر دولة قطر والجمهوريّة الفرنسيّة وكندا.
وأغتنمُ هذه المناسبة لأتوجّه بجزيل الشّكر للمنظّمات والمؤسّسات الماليّة والفاعلين الاقتصاديّين على التزامهم بمُساندة التّجربة التّونسيّة ومشاركتهم الهامّة التي نتطلّع أن تكون مُؤثّرةً في تحقيق النّتائج المرجوّة من المؤتمر.
حضرات السيّدات والسّادة،
إنّ تعقيدات المرحلة الانتقاليّة، وصُعوبة الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة في تونس، ودقّة الظّرفية الإقليميّة المشحونة بعوامل التّوتّر والأزمات الخطيرة، لاسيما مع بلوغ آفة الإرهاب مرحلةً غير مسبوقةٍ، لم تَنَلْ من تصميم الشعب التّونسي على اجتياز اختبار الدّيمقراطيّة بفضل تمسّكه برُوح التّوافق ومنهج الحوار والنّأي عن كلّ ما يُضعف وحدته الوطنيّة.
ولم يكُن إسناد جائزة نوبل للسّلام لسنة 2015 للرّباعي الرّاعي للحوار الوطني إلاّ تقديرًا دوليّا لتجربةٍ فريدةٍ في إدارة الأزمات سلميًّا.
لكنّ ما راكمتهُ التّجربة التّونسيّة الفتيّة من نجاحاتٍ لإرساء أُسس دولةٍ ديمقراطيّةٍ جنّبت البلاد المنزلقات التي عرفتها بعض التّجارب الأخرى في المنطقة، لا يحجُب عنّا التّحدّيات الهائلة التي حالت دُون انتعاش الاقتصاد الوطني، في ظلّ واقعٍ اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ صعب وسياقٍ إقليمي مُعقّد ومُتَوَتّْر.
حضرات السّيدات والسّادة،
يقول Thomas d’Aquin: "لا بُدّ من حدٍّ أدنى من الرّخاء لمُمارسة الفضيلة". لذا فإنّ تأمين الحياة اللاّئقة والكريمة لشعبنا وتنمية الجهات المحرومة وإعادة الأمل لشباب تونس تُمثّل مُجتَمِعَةً صمّام الأمان الذي سيُرسّخ السّلم الاجتماعي ويُثبّت دعائم البناء الدّيمقراطي. فنجاح الانتقال الدّيمقراطي يَظلُّ رهين توفّر شروط الإقلاع الاقتصادي والرّخاء الاجتماعي.
فتُونس لم تتوفّق، بعد مُرور ستّ سنوات، في تحقيق الانتقال الاقتصادي المنشود، بحُكم صُعوبات وتعقيدات المرحلة الانتقاليّة، وكذلك لتواصل الأزمة في الشّقيقة ليبيا التي كانت تُمثّل شريكًا اقتصاديًّا مُهمًّا لتونس.

لذلك تحتاج بلادنا إلى تعبئة كلّ طاقاتها الماديّة والبشريّة وتنفيذ إصلاحاتٍ عميقة تُعجّلُ باستعادة الاقتصاد الوطني لعَافيته. ولهذا الغرض، تمّ تشكيل حُكومة وحدةٍ وطنيّة تقودُها كفاءاتٌ شابّة بمشاركةٍ هامّةٍ للمرأة وتحظى بمساندةٍ واسعة من الطّيف السّياسيّ والمدني.

ومن أولويّات هذه الحكومة مواصلة تنفيذ الإصلاحات الهيكليّة لتطوير مناخ الأعمال باعتماد قانونٍ جديدٍ للاستثمار يُكرّس حريّة بعث المشاريع ويُشجِّعُ على إحداث المؤسّسات وتطويرها وخلق الثروات. وهو يُوسّع بشكلٍ غير مسبوق الحوافز والتّشجيعات والضّمانات للمستثمرين في شتّى المجالات.
حضرات السّيدات والسّادة،
سيتواصلُ نسق الإصلاحات بما يُمَكِّنُ من التّحكّم في التّوازنات الماليّة وإعادة الاعتبار للعمل كقيمةٍ حضاريّةٍ ومصدرٍ أساسِيٍّ لِخلقِ الثَّرْوة، فضلاً عن تعصير الإدارة، ومزيد تحرير الاقتصاد، وغيرها من الإصلاحات الجبائيّة والماليّة ذات التّأثير الإيجابي المباشر على النّشاط الاقتصادي مع الحرص على إعطاء دورٍ أكبر للمبادرة الخاصّة.
كما سيتم تنفيذ البرامج التي تمكّن من تنْمية الجهات الدّاخليّة ومن إدماج مختلف الفئات في الدورة الاقتصادية.
تهدِفُ هذه الإصلاحات والبرامج الشّاملة إلى تركيز نمطٍ تنموي جديدٍ سِمتُهُ التّنوّع والقيمة المُضافة الكبيرة والقُدرة العالية على التّشغيل وهو ما تعكسه جملة المشاريع التّنمويّة المعروضة للتّمويل على شركائنا الاقتصاديين من الدّول والمؤسّسات الماليّة الدّوليّة والقطاع الخاص.
إننا نسعى أن تكون بلادنا قادرةً على التّوظيف الأمثل لمزاياها التّفاضليّة حتّى تتبوَّأَ مكانها كقُطب اقتصادي واعد ضمن النّسيج الاقتصادي الإقليمي والعالمي.
حضرات السيدات والسادة،
إنّنا نطمحُ من خلال هذه الإصلاحات إلى التّرفيع في حجم الاستثمارات الخارجيّة بنسبة 80% في إطار مخطّط التّنمية 2016-2020 مقارنةً بالخماسيّة 2011-2015، هذا المخطّط الذي تمّ وضعه وِفْقَ مُقاربةٍ تشارُكيّةٍ واسعة وعلى أساس منوالِ تنميةٍ جديد يُجسّم التّمييز الإيجابي لفائدة الجهات المحرومة.
إنّ تُونس لها من الطّاقات الذّاتيّة والمزايا التّفاضليّة مَا يُساعدها على مجابهة وطأة الضّغوطات الاقتصاديّة الرّاهنة وقد وضعت الخطط والبرامج التي تمكنها من ذلك وانطلقت في تنفيذها.
ففضلاً عن موقعها الجغرافي المُتميّز، تتمتّعُ تونس بِبنية أساسيّة متطوّرة، وكفاءاتٍ عالية، واقتصادٍ مُنفتح ومندمج في السّوق العالميّة. وهو ما يؤهِّلُها لتكونَ منصّة حقيقيّة للاستثمارات والصّادرات إلى الأسواق الأوروبية والعربيّة والإفريقية.
حضرات السيّدات والسّادة،
إنّ نجاح البناء الدّيمقراطي في تونس مصلحةٌ وطنيّة بالأساس، لكنّه يخدم أيضًا مصالح المنطقة ويُساهم في تعزيز أسباب الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدّولي. ومثلما أكّدته في مناسباتٍ عِدّة، فإنّ استقرار تُونس ضمانٌ لاستقرار المنطقة ونَجَاحُها نجاحٌ للمنطقة كُلِّها.

وتُونس تُواجه اليوم أوضاعًا استثنائيّة، وهي تحتاجُ دعْمًا استثنائيًّا من قبل شركائها ومن المؤسّسات الماليّة الدّوليّة، بشكلٍ وبحجمٍ يتجاوز الأطر التّقليديّة، ويتناسبُ مع الدّعم الذي تلقّتهُ الدّول التي شهدت مراحل انتقاليّة مُماثلة.

إنّ إنتظارات التّونسيّين من هذا المؤتمر كبيرةٌ ومشروعة، وَهُم، بِقَدْرِ تقديرهم العالي لشُركاء تونس الذين ساندوا إنجازهم الدّيمقراطي الحضاري، يأملُون منهم انخراطًا أقوى في مُعاضدة المجهود الوطني لمُجابهة متطلّبات المرحلة الرّاهنة.
إنّ دعمَكُم اليوم لتونس سيكون رسالةً قويّةً لشعبها تُعزّز ثقة المستثمرين المحلّيين والدّوليين في اقتصادها وتُساهم في تعزيز دعائم الدّيمقراطيّة ومناخ الاستقرار في رُبُوعِها.
وإنّي على ثقةٍ بأنّ هذا المؤتمر سيفتح آفاقًا رحبةً وواعدة لفُرص شراكةٍ وتعاونٍ حقيقيّين على أساس المصلحة المشتركة والمنفعة المُتبادلة.
والسّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.

 

المكان : قصر قرطاج
التاريخ: 29 نوفمبر 2016
شارك :

الأخبار ذات الصلة

الصفحات

Layout Settings