قرطاج 1 ماي 2010 - ألقى الرئيس زين العابدين بن علي لدى إشرافه يوم السبت على موكب بمناسبة الإحتفال بعيد الشغل خطابا في ما يلي نصه: "بسم الله الرحمان الرحيم
أيّها المواطنون، أيّتها المواطنات،
نحتفل اليوم مع سائر شعوب العالم بعيد الشغل، إعلاء لقيم البذل والاجتهاد، وتكريما للشغالين بالفكر والساعد، رجالا ونساء في كل مواقع العمل والإنتاج، وإكبارا لجهودهم في دعم المسيرة التنموية الشاملة لشعبنا، وتعزيز مقومات المناعة والازدهار لبلادنا.
وإذ أشكر السيد عبد السلام جراد، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل على ما جاء في كلمته من طيب المقاصد ونبل المشاعر، فإني أتوجه بأحر تحياتي إلى كل أعضاء المكتب التنفيذي للاتحاد وإلى جميع منخرطيه وإطاراته، معربا مجددا عن تقديري للدور البناء الذي يضطلع به الاتحاد العام التونسي للشغل إلى جانب الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، من أجل ترسيخ أركان السلم الاجتماعية، وتكريس مناخ الثقة والوفاق في العلاقات المهنية، وتأمين سلامة اقتصادنا، والالتزام بمصلحة وطننا العليا.
كما أتوجه بالتحية إلى مختلف المؤسسات واللجان الاستشارية التي أسهمت في تحسين ظروف العمل ورفع الإنتاجية، وفي تثبيت تقاليد التفاوض والتعاقد بين الأطراف المهنية، منوها بوعي الجميع بطبيعة المرحلة، وعزمهم على رفع تحدياتها وكسب رهاناتها.
وأهنئ بهذه المناسبة سائر الشغالين وأصحاب المؤسسات الذين سنشملهم بالتكريم بعد حين، جزاء مثابرتهم على الكد والجد وتميزهم بروح المبادرة والاجتهاد.
أيّها المواطنون، أيّتها المواطنات،
لقد تم سنة 2009 صرف القسط الثاني من البرنامج الثلاثي السابع للزيادات في الأجور التي أفضت إليها الجولة المنقضية من المفاوضات الاجتماعية في القطاعين العام والخاص. وبذلك يكون العمال والموظفون قد انتفعوا بالزيادات سنويا بصفة منتظمة ومتواصلة لم تنقطع منذ التغيير. كما تم خلال سنة 2009، الترفيع في أجور العاملين في القطاعات غير الخاضعة لاتفاقيات مشتركة قطاعية أو لأنظمة أساسيّة خاصة.
وكانت الأجور الدنيا في القطاع الفلاحي وغير الفلاحي، قد سجلت في السنة الماضية زيادات جديدة مكنت ضعاف الدخل من المحافظة على قدراتهم الشرائية، وذلك في إطار سعينا الدؤوب منذ التحول، إلى العناية بهذه الفئة وتحسين أوضاعها.
وتأكيدا لحرصنا على حماية الطاقة الشرائية للأجراء من ذوي الدخل المحدود، نعلن قرارنا بالزيادة في الأجر الأدنى المضمون في القطاعين الفلاحي وغير الفلاحي. وستتولى الحكومة ضبط مقدار هذه الزيادات بعد التشاور مع المنظمات المهنية المعنية.
ونرجو أن تكون هذه الزيادات التي شملت كل أصناف الأجراء في شتى القطاعات، خير حافز إلى مضاعفة الجهد وتطوير الأداء، والارتقاء بجودة الخدمات والمنتوجات، وحسن التصرف في الممتلكات والإمكانيات، وبلوغ أعلى درجات المردودية والتنافسية.
ومن دواعي الارتياح والاعتزاز، أن انتظام المفاوضات الاجتماعية بصفة دورية، أصبح سمة مميزة لبلادنا، إلى جانب شمولها القطاعين العام والخاص، ونجاحها في تعزيز العلاقات المهنية، وإثراء تقاليد الحوار والوفاق بين أطراف الإنتاج، بما جعل من التجربة التونسية في المجال، مثالا يحتذى، وجلب لها تقدير المنظمات الإقليمية والدولية المختصة.
وندعو في هذا السياق، إلى مزيد العمل على تنشيط الحوار الاجتماعي المسؤول والمتكافئ داخل المؤسسة، وترشيد العلاقات المهنية بين الهياكل المضطلعة به، في إطار الوعي الجماعي بالحقوق والواجبات.
أيّها المواطنون، أيّتها المواطنات،
ما يزال التشغيل رهانا وطنيا مطروحا على سائر الأطراف المعنية ببلادنا، لاسيما فيما يتعلق بتشغيل الشباب وحاملي الشهادات العليا. ونحن نواصل الحرص على إيجاد مختلف الحلول والآليات التي تساعدنا على استيعاب أكبر عدد ممكن من الشبان المقبلين على سوق الشغل. وقد شرعنا ضمن توجهات برنامجنا للمرحلة القادمة، في التقليص من فترة انتظار الشغل إثر التخرج من الجامعة، وفي تطوير تدخلات الصندوق الوطني للتشغيل 21-21 ضمن سبعة برامج كبرى، لإضفاء المزيد من النجاعة عليها، وتبسيط إجراءات الانتفاع بخدماتها، وتوجيهها للفئات التي هي بحاجة إلى الإحاطة والدعم.
ورصدنا لهذه البرامج خلال السنة الحالية 187 مليون دينار، ستمكننا من توفير 210 آلاف موطن إدماج وتكوين وتأهيل لطالبي الشغل، من شتى الفئات والمستويات.
ومنحنا الجهات صلاحيات أكبر في وضع هذه البرامج وتنفيذها، في إطار عقود تضبط الأهداف التي يتعين تحقيقها. وأضفنا إلى تدخلات الصندوق، برنامجا للخدمة المدنية التطوعية بالتعاون مع النسيج الجمعياتي، وذلك من أجل فتح فرص إدماج أرحب أمام حاملي شهادات التعليم العالي. كما أذنا بدعم كل المبادرات الموجهة إلى إحداث جمعيات الإحاطة بطالبي الشغل.
وواصلنا سنة 2009 العمل على التقليص من تداعيات الأزمة المالية العالمية على مؤسساتنا وعلى اقتصادنا الوطني. واتخذنا لذلك مجموعة من الإجراءات التي تستهدف المحافظة على مواطن الشغل بالمؤسسات التي تأثرت بهذه الأزمة. كما ثابرنا على تطوير النسيج الاقتصادي وتأهيل قطاعات الإنتاج.
وكان لتطوير البنية الأساسية الصناعية الأثر المحمود في انتصاب عدة مشاريع مشغلة بمناطق التنمية الجهوية. كما أن السياسة التحفيزية التي توخيناها لاستقطاب الاستثمار بهذه المناطق، قد ساعدتنا على انطلاق عشرة مشاريع كبرى سنة 2009 هي اليوم في طور العمل والإنتاج ومكنتنا من توفير 7.500 موطن شغل. ومن المنتظر أن يرتفع هذا العدد إلى 17.500 موطن شغل في موفى سنة 2010. ويبقى كسب رهان التشغيل مرتبطا أشد الارتباط بمدى نجاحنا في مزيد الرفع من نسق إحداث المؤسسات، ونشر ثقافة المبادرة لدى شبابنا، وإعطاء انطلاقة أقوى للأنشطة الواعدة والمجددة.
وتكريسا لهذا الهدف، نأذن بالإسراع في توحيد تدخلات هياكل المساندة المعنية بالتنسيق بين فضاءات المبادرة ومراكز الأعمال، وذلك في إطار السعي إلى إحداث "دار المؤسسة" بكل ولاية، ودعم نشاطها على المستويين الجهوي والمحلي، حتى نقرب خدماتها من جميع الراغبين في بعث المشاريع.
وأما بخصوص إصلاح التكوين المهني وتأهيله ليكون في خدمة طالبي الشغل وقادرا على تلبية حاجيات الجهات التنموية والاستثمارية، فنأذن بإحداث أقطاب امتياز للتكوين المهني في الأنشطة الواعدة، بالشراكة مع المهنيين ومع مؤسسات تكوين دولية مرجعية، بما يرفع من جودة التكوين، ويؤسس لاعتراف متبادل بالشهادات المختصة في الغرض.
ونأذن بوضع برنامج لبعث محاضن للمؤسسات بمراكز التكوين المهني، تتولى الإحاطة بالراغبين في بعث المشاريع، وتوفر لهم الدعم والمساندة. كما نأذن بإدراج مادة السلامة المهنية ضمن اختصاصات التكوين المهني.
واعتبارا للتطور الحاصل في مجال الاستثمار بالجهات، نأذن أيضا بإعادة النظر في تنظيم الوكالة التونسية للتكوين المهني على المستوى الجهوي، وتأمين الإحاطة الجيدة بمراكز التكوين، ووضع صيغ متطورة لتسييرها.
ونأذن في السياق ذاته، بإعادة هيكلة المركز الوطني لتكوين المكونين وهندسة التكوين، لدعم قدراته على إعداد برامج مجددة تواكب التطور التكنولوجي، وتلبي حاجيات المؤسسات من الكفاءات المهنية العليا.
ونحن نولي من ناحية أخرى، أهمية فائقة للتكوين المستمر للعاملين والإطارات في مختلف المستويات. وقد حرصنا على تركيز منظومة جديدة لتمويل هذا التكوين، وإضفاء المزيد من المردودية على البرامج التي تنجزها المؤسسات لفائدة مواردها البشرية، حتى يلبي التكوين المستمر حاجيات المؤسسات، ويؤمن الارتقاء بمهارات العمال، ويحفزهم إلى مسايرة التطورات الحاصلة في تقنيات الإنتاج.
كما وجهنا التكوين المستمر إلى مساندة البرامج الوطنية في مجالات الجودة، والتحكم في الطاقة، والمحافظة على البيئة وحماية المحيط.
ونأذن في هذا المجال، بمساعدة مراكز التكوين المهني على إنجاز برنامج التكوين عن بعد لفائدة العاملين، لتمكينهم من تنمية مهاراتهم، والحصول على شهادات تؤهلهم للترقيات المهنية.
أيّها المواطنون، أيّتها المواطنات،
إن قطاع الضمان الاجتماعي يحظى لدينا بعناية فائقة ومتابعة مستمرة، لأنه مظلة أمان وحماية للمضمونين ضد مختلف المخاطر. ونحن نعمل على استدامة هذا القطاع، والمحافظة على سلامة توازناته، ودعم قدراته، حتى يقدم أفضل الخدمات لمنظوريه.
وقد سجلنا بارتياح، بلوغ التغطية الاجتماعية سنة 2009 نسبة 95%. وسنواصل في هذا المجال، تجسيم الهدف الذي رسمناه ببرنامجنا للمرحلة القادمة (2009-2014)، وهو الاقتراب من التغطية الاجتماعية الشاملة إلى حدود 98%، والعمل على أن لا تبقى أية مهنة خارج نظام الضمان الاجتماعي. وسعيا منا إلى إصلاح أنظمة التقاعد، وضمان حقوق كل الأطراف وخصوصا المضمونين الاجتماعيين وعائلاتهم، نأذن بالتعمق في كل الفرضيات الممكنة لهذا الإصلاح، وبتوسيع مجالات الحوار والتشاور بشأنه في نطاق التفاهم والوفاق.
أما بخصوص الوقاية من الأخطار المهنية وصيانة رأس مالنا البشري من كل الأضرار والأمراض المحتملة، فقد كنا أذنا بوضع برنامج متكامل للتصرف في الأخطار المهنية، وتطوير خدمات طب الشغل ومتطلبات السلامة المهنية، والتشخيص المبكر للأمراض المهنية والوقاية منها، والتخفيض من حوادث الشغل إلى أدنى نسبة ممكنة.
كما أذنا بتعميق البحوث والدراسات في مجال حوادث الشغل، ودعم الإطار التشريعي وأجهزة التفقد ومجامع الطب المختصة، ووضع برامج تستهدف القطاعات ذات الأولوية بالتدخل، والفئات الأكثر عرضة للحوادث، والمنتدبين الجدد، مع تعزيز إجراءات الصحة والسلامة المهنية في كل مواقع العمل والإنتاج.
وقد أحدثنا جائزة وطنية للصحة والسلامة المهنية، سنقوم بعد حين بإسنادها لأول مرة إلى المؤسسات المتميزة في المجال. كما أذنا بتخصيص هيكل إداري بوزارة الشؤون الاجتماعية والتضامن والتونسيين بالخارج، توكل إليه مهمة رصد أسباب حوادث الشغل ودراستها، وإيجاد الحلول الكفيلة بالحد من أخطارها، ودعم جهاز التفقد الخاص بمتابعة احترام إجراءات السلامة المهنية.
وكنا أفردنا هذا القطاع في برنامجنا "معا لرفع التحديات"، بقرارين متكاملين يهدفان إلى "إرساء منظومة تشريعية متطورة في ميدان الصحة والسلامة المهنية"، و"الترفيع في نسبة تغطية اليد العاملة بمجامع طب الشغل أو بمصالح طبية خاصة من 40% حاليا، إلى 70% سنة 2014".
وتأتي كل هذه القرارات والبرامج، تجسيما لسعي بلادنا الدؤوب إلى ملاءمة سياساتها مع التطور العلمي والتكنولوجي ومع المعايير الدولية المتعلقة بالحق في التمتع بمحيط عمل سليم، صحي وآمن.
أيّها المواطنون، أيّتها المواطنات،
لقد ركزنا إصلاحاتنا في المجالين الاقتصادي والاجتماعي على مبادئ وخيارات تواكب ما يشهده مجتمعنا ومحيطنا العالمي من تحولات وتقلبات. وعملنا على تعميق الوعي الجماعي بالتحديات القائمة والمنتظرة، وعلى شحذ العزائم لمواجهتها والتصدي لمخاطرها.
وإن للمنظمات المهنية دورا أساسيا إلى جانب الدولة، في التحسيس بكل ما يجري على الصعيد العالمي من تطورات وابتكارات تشمل ميادين سوق الشغل، وأنماط العمل، وأساليب الإنتاج، وفرص الاستثمار، ومتطلبات المنافسة والتصدير.
كما أن لهذه المنظمات مسؤولية كبرى في إشاعة قيم العمل النبيلة لدى منظوريها، وفي مقدمتها: التفاني في البذل والأداء، والمثابرة على الجد والاجتهاد، والمساهمة في كل ما يدعم مكانة المؤسسة، ويعزز سلامتها، ويرتقي بمردودها، ويكسبها مقومات الصمود والتطور والازدهار.
وندعو بالمناسبة جميع الأطراف الاجتماعية، إلى أن تتواصى بتقاليد الحوار والتشاور، حتى لا يستعصي عليها أي مشكل، فتتوصل إلى الوفاق حول كل القضايا المطروحة أو التي يمكن أن تطرح، في كنف التفاهم والتعاون والتكامل.
إننا نحرص دائما على أن تقترن عندنا النجاعة الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية في كل الميادين. ونحن نؤكد من جديد، أن تقدم الشعوب لا يتحقق إلا بالبذل السخي والأداء الجيد من كل أطراف الإنتاج.
وفي خضم التحديات العالمية الكبرى التي يطرحها علينا عصرنا في سائر المجالات، ليس لنا من سبيل، سوى أن نعتمد على أنفسنا، ونضاعف من جهودنا، ونتحلى بالمبادرة والإقدام، لنتغلب على الصعوبات، ونتجاوز العقبات، ونمضي قدما في تحقيق تنمية وطنية شاملة ومتوازنة لبلادنا، يشارك الجميع في صنعها ويتمتع الجميع بثمارها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته". |