كلمة الرئيس زين العابدين بن علي في إفتتاح الندوة الدولية حول الشباب والمستقبل
قرطاج 14 جانفي 2010 - ألقى الرئيس زين العابدين بن علي صباح الخميس لدى افتتاح أشغال الندوة الدولية حول "الشباب والمستقبل : تحديات الواقع، تعزيز القدرات وآليات المشاركة" كلمة ، في ما يلي نصها :
"بسم الله الرحمان الرحيم
صاحب السمو الملكي الأمير نواف بن فيصل بن فهد بن عبد العزيز آل سعود نائب الرئيس العام لرعاية الشباب بالمملكة العربية السعودية معالي الدكتور عبد العزيز التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة معالى الدكتور محمد العزيز ابن عاشور المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم معالى السيد الحبيب بن يحيى الأمين العام لاتحاد المغرب العربي ضيوفنا الكرام حضرات السادة والسيدات
أفتتح اليوم على بركة الله أشغال هذه الندوة الدولية حول "الشباب والمستقبل : تحديات الواقع، تعزيز القدرات وآليات المشاركة" مرحبا بأصحاب السمو والمعالي والسعادة وبممثلى المنظمات الإقليمية والدولية وممثلي المنظمات غير الحكومية والخبراء والمفكرين والباحثين من البلدان الشقيقة والصديقة راجيا للجميع إقامة طيبة بيننا.
وإذ احيي المبادرة المشتركة بين المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة الايسيسكو والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الالكسو والأمانة العامة لاتحاد المغرب العربي بتنظيم هذه الندوة الدولية حول مسألة جوهرية بالغة الأهمية تتعلق بحاضر الشباب ومستقبله فإني أشيد بالتعاون المتميز القائم بين بلادنا وهذه الأطراف الإقليمية معربا للمديرين العامين للمنظمتين وللامين العام للاتحاد عن خالص الشكر على المشاعر اللطيفة التي عبروا عنها تجاه تونس وشعبها وقيادتها مقدرا إشادتهم بالتجربة التونسية في مجال الإحاطة بالشباب والاهتمام بمشاغله وقضاياه.
حضرات السادة والسيدات
يأتي تنظيم هذه الندوة اثر مصادقة الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع يوم 18 ديسمبر 2009 على المبادرة التي كنا تقدمنا بها يوم 24 نوفمبر 2008 لدى افتتاحنا أشغال المؤتمر الدولي حول قضايا الشباب في العالم الإسلامي بشأن إعلان سنة 2010 سنة دولية للشباب وتنظيم مؤتمر عالمي للشباب برعاية منظمة الأمم المتحدة.
ويسعدنى أن أعرب بهذه المناسبة عن شكري وتقديري لمنظمة الأمم المتحدة وللدول الأعضاء وللمنظمات الإقليمية والدولية على مساندتها لهذا الاقتراح الذي تقدمنا به في سياق المبادرات التي قمنا بها على المستوى الدولي وحظيت بدورها بإجماع المنتظم الأممى ومنها مبادرتنا يوم 25 اوت 1999 لإنشاء صندوق عالمي للتضامن وقد صادقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 ديسمبر 2002 ومبادرتنا يوم 22 افريل 2003 لتكريس حق الشباب في ممارسة الرياضة والتربية البدنية وقد صادقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة وأقرت بالمناسبة سنة 2005 سنة دولية للرياضة والتربية البدنية والاقتراح الذي عرضناه على الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 2005 لتخصيص يوم عالمي للتضامن يكرس هذه القيمة الأخلاقية والاجتماعية بين سائر البشر والدول وقد صادقت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة وأقرت في الغرض يوم 20 ديسمبر من كل سنة يوما عالميا للتضامن.
وقد أردنا بإطلاق هذه المبادرات أن نسهم في خدمة قضايا التربية والصحة والتضامن والتنمية والسلام في العالم باعتبارها قواسم مشتركة تجمع بين البشر كافة.
كما أردنا ان نحفز وازع الخير لدى الرأى العام العالمي لترسيخ هذه الفضائل في العلاقات الدولية وتأكيد أن ما يجمع بين البشر أكثر مما يفرق وان مشاكل عصرنا لا تعالج إلا بالثقة المتبادلة والجهد المشترك.
وأهيب بهذه المناسبة بكل الدول والمنظمات والوكالات الأممية المختصة كي تشارك في الاحتفال بالسنة الدولية للشباب التي اقرها المنتظم الأممى وان تعد برامج عملية شاملة وهادفة تفتح أمام الشباب المجال رحبا للنشاط والإبداع وتوسع معهم فرص الاستشارة والحوار في كل الميادين التي تهم عصرهم وعالمهم.
وستشكل هذه السنة الدولية للشباب فرصة متميزة لتعزيز الإحاطة بالشباب وتعميق معرفتهم بالمسؤوليات الحضارية والتاريخية الموكولة إليهم وبالآمال الكبيرة المعلقة عليهم فهم مدعوون إلى تقديم رؤى جريئة وحلول مبتكرة تتجاوز الأزمات والتوترات التي ترهق عصرنا وتوفر مناخا عالميا جديدا يشجع على بناء علاقات نزيهة ومتينة بين الأمم قاطبة .
حضرات السادة والسيدات
إن الشباب في كل أمة هم الفئة المعرضة أكثر من سواها لتأثير الأخطاء المحلية والإختلالات العالمية وما تخلفه في نفوسهم من خيبة وإحباط لهما أسوأ العواقب على نشأتهم وتطلعاتهم. فمن أفدح الأخطاء المحلية التي ترتكب بحق الشباب تجاهل مشاغلهم وطموحاتهم وزجهم في خلافات عقائدية ونزاعات عرقية وطائفية وتعبئة نفوسهم بمشاعر الكراهية والحقد والعنصرية والتهاون بسيادة الوطن إلى الحد الذي يورث الأجيال الصاعدة التبعية والهوان واتخاذ قرارات خطيرة وغير محسوبة من شأنها أن تسد الآفاق أمام الشباب وتدمر مستقبلهم.
كما أن من اشد الإختلالات العالمية وقعا في نفوس الشباب ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الدولية وتعدد الفوارق المجحفة بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية وتفاقم نزاعات التطرف والعنف والإرهاب واستفحال مظاهر الفقر والجوع والمرض واتساع رقعة الأزمات والصراعات والفتن.
وتفيد الإحصائيات الحديثة أن عدد الشباب من الفئة العمرية بين 15 و 24 سنة يفوق اليوم مليارا و 300 مليون شاب وان نسبة الشباب من عدد السكان في معظم البلدان تبلغ معدل 30 بالمائة تقريبا. وهو ما يبرز الحجم الديمغرافي والوزن الاجتماعي للشباب في تركيبة مجتمعاتنا والمسؤوليات الملقاة على عاتقنا تجاههم فمن واجبنا أن نشملهم بفائق العناية والرعاية وان نخصهم بالإحاطة والتشجيع وان ننمى قدراتهم ومواهبهم باستمرار ونطور أوضاعهم إلى الأفضل في كل الميادين.
وينبغى كذلك أن نرسخ لديهم ثقافة الاجتهاد والاعتماد على الذات والتحلي بروح المغالبة في مواجهة ما يعترض حياتهم من صعاب وما يعتري عصرهم من عوائق.
ولابد أن نركز اهتمامنا بالشباب عبر القطاعات الحيوية التي تستهدفهم مباشرة كقطاعات الصحة والتربية والتكوين والتعليم والثقافة وتكنولوجيات الاتصال والتشغيل والرعاية الاجتماعية والأنشطة الترفيهية والرياضية والعمل التطوعى وفضاءات المجتمع المدني.
ومن الحكمة أن نوفر للشباب ضمن هذه القطاعات كل الأسباب التي تؤمن لهم تنشئة تربوية وفكرية وبدنية سليمة تهيئهم لان يكونوا قوة الدفع الملهمة في مجتمعاتهم فيتحملوا قسطهم من المسؤولية في صنع القرار بأوطانهم والتأثير الإيجابي في عصرهم .
ومن حق الشباب علينا أيضا أن نعمل بكل جد وإصرار على التخفيف من التوترات والفوارق التي تسود عالمنا وان نبذل كل ما في وسعنا لنمهد للأجيال الصاعدة سبيل الآمان والرخاء.
حضرات السادة والسيدات
لقد أقمنا في تونس سياستنا الشبابية على الاستثمار في تنمية مواردنا البشرية وفي القطع مع مختلف مظاهر التهميش والإقصاء والوصاية. واعتبرنا الشباب شركاء في كل ما يهم شؤون بلدنا وما يجرى في عصرنا. وعملنا على تطوير التشريعات في اتجاه تمكين اكبر عدد ممكن من الشباب من ممارسة حقهم في الانتخاب والترشح الى المجالس البلدية ومجلس النواب وذلك بأن خفضنا سن الترشح الى 23 سنة وسن الانتخاب الى 18 سنة.
ودخلنا كذلك في شراكة شاملة مع مختلف المؤسسات والهياكل والمنظمات والجمعيات لترشيد التعامل مع شبابنا وتجديد الخطاب الموجه إليهم بروح توفق بين التمسك الأصيل بالخصوصيات الوطنية والمواكبة الواعية لمقتضيات الحداثة.
كما أقررنا دورية الاستشارات الشبابية مرة كل خمس سنوات وجعلنا منها آلية للاستماع إلى آراء الشباب والتعرف على مشاغلهم وطموحاتهم والاستفادة منها في إعداد مخططاتنا التنموية.
وخصصنا سنة 2008 للحوار الشامل مع الشباب من مختلف الفئات. وأفضى ذلك الحوار إلى صياغة ميثاق للشباب التونسي يؤكد تعلقهم بانتمائهم الوطني وبتراثهم المشترك الاجتماعي والثقافي والحضاري ويعمق تواصلهم مع عصرهم وعالمهم.
وتتزامن هذه السنة الدولية للشباب مع الشروع في انجاز برنامجنا المستقبلي الذي رسمناه لتونس للسنوات الخمس القادمة. وقد أثرنا الشباب في هذا البرنامج بعديد الإجراءات والمبادرات أبرزها إحداث برلمان الشباب الذي سيكون مؤسسة استشارية يعبرون من خلالها عن ارائهم ومواقفهم في كل ما يهم الشأن العام لوطنهم.
وستشهد السنة الجارية (2010) انطلاق الاستشارة الشبابية الرابعة بتونس للاستفادة منها في إعداد المخطط الثاني عشر للتنمية وفي إثراء المشاركة السياسية والممارسة الديمقراطية ببلادنا.
وستكون الإستراتيجية الوطنية للشباب التي أذنا بوضعها للفترة (2009 -2014 ) إطارا عاما لمزيد الإحاطة بالشباب وتنويع قنوات الحوار معهم وتطوير المبادرات والإجراءات التي تتخذ لفائدتهم بالشكل الذي يستجيب لمقتضيات الواقع المتجدد وحجم التحديات المطروحة. وأذنا كذلك بوضع مشروع قانون للعمل التطوعي سيعرض قريبا على مصادقة السلطة التشريعية حتى نرسخ الحس المدني لدى شبابنا من اجل خدمة الصالح العام ونحفزهم إلى مزيد الإضافة والإفادة في شراكة منظمة وفعالة بين الهياكل العمومية ومكونات المجتمع المدني.
فنحن نحرص على أن يكون شبابنا شريكا كفؤا في سائر اختياراتنا وتوجهاتنا مواكبا لشؤون وطنه متفتحا على عصره ومتواصلا مع عالمه وإننا إذ نعرب عن اعتزازنا بموافقة المنتظم الأممى على مبادرتنا بإعلان سنة 2010 سنة دولية للشباب نعلن قرارنا بما يلي :
أولا: تكوين لجنة وطنية للسنة الدولية للشباب توكل إليها مهمة ضبط البرامج التنفيذية لهذه السنة
ثانيا: ضم ممثلين من الجنسين عن الشباب التونسي إلى الوفود الرسمية التي ستشارك في اجتماعات الأمم المتحدة ذات الصلة طبقا لدعوة منظمة الأمم المتحدة في المجال .
ونرجو أن تحرص سائر الدول على تشريك ممثلين وممثلات عن شبابها من مختلف الفئات في المؤتمر العالمي الشبابي الذي سيعقد لاحقا. كما نأمل أن يكون هذا المؤتمر فرصة متميزة لنسج الصداقات وربط العلاقات بين كل شباب العالم وان تتاح لهم فيه مجالات سانحة للتعارف والتقارب والتفاهم ووضع الآليات والخطط التي تبرز دورهم مستقبلا على الساحة الدولية.
وحرى بنا اليوم والإنسانية قد طوت السنوات التسع الأولى من القرن الحادي والعشرين في ظروف عالمية لا تبعث على الاطمئنان والارتياح أن نتوجه إلى رموز الحيوية والتفاؤل في مجتمعاتنا وهم الشباب من الجنسين لتشريكهم معنا في الاهتمام بشؤون عالمنا والبحث عن أقوم المسالك لتصحيح أوضاعه والحد من أخطاره بعيدا عن تراكمات سوء الفهم المتبادل وخيبات الفرص الضائعة وفي جهد جماعي بناء يمهد لمستقبل امن ومزدهر للبشرية قاطبة.
فالأمم بشبابها والعالم بشبابه والشباب يبقى في كل زمان ومكان إشراقة الحاضر وأمل المستقبل وهو عنوان لكل القيم النبيلة التي تتفاعل في نفسه وتؤثر في سلوكه وفي مقدمتها قيم الحرية والمساواة والعدل والحوار والتسامح والديمقراطية وحقوق الإنسان.
والأمل معقود اليوم على الشباب للتطوير والتجديد وللإسهام مع كل قوى الخير في المجتمع الدولي لوضع تلك القيم موضع التطبيق وإشاعتها بين سائر البشر مهما كانت جنسياتهم وألوانهم وثقافاتهم وأديانهم إذ لا أمان ولا استقرار في العالم إلا بالوفاق والتعايش والتعاون والتضامن.
وترحب تونس ترحيبا حارا بالدعوة التي وجهها المنتظم الأممى إلى كل الدول الأعضاء والوكالات والصناديق والبرامج الأممية والمنظمات الدولية المختصة للاستفادة من السنة الدولية للشباب وإقامة أنشطتها وتكريس أهدافها.
كما ستحرص تونس باعتبارها صاحبة هذه المبادرة على المساهمة الفعالة في إنجاح السنة الدولية للشباب على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية وذلك انطلاقا من تجربتها الثرية في العناية بالشباب وما توليه لهم من أهمية في سياستها واختياراتها.
وختاما أجدد لكم اعتزاز تونس بانعقاد هذه الندوة الدولية حول الشباب على أرضها مع مفتتح السنتين الجديدتين الهجرية 1431 والميلادية 2010 آملا أن تؤكد ندوتكم أن وعيا جديدا بدور الشباب قد بدا ينمو وينضج ليتحول إلى مشاركة ايجابية نشيطة تبعث فينا جميعا التفاؤل بإمكانية قيام مجتمع دولي اشد حيوية وشمولية وأكثر انفتاحا وتواصلا وأقوى تماسكا وتضامنا.