قرطاج، 25 جويلية 2007 بسم الله الرحمان الرحيم أيها المواطنون، أيتها المواطنات، يحتفل شعبنا اليوم بذكرى تاريخية مجيدة، إنها الذكرى الخمسون لإعلان الجمهورية، وهي مناسبة لاستحضار كفاح شعبنا وتضحيات أجياله المتعاقبة من أجل العزة والكرامة ؛ فقد كان إعلان الجمهورية يوم 25 جويلية 1957 تحريرا لإرادة الشعب واستكمالا لمقومات سيادته وحريته التي جاء بها الاستقلال يوم 20 مارس 1956. وإذ أهنئ بهذه المناسبة جميع من سينالهم بعد حين، شرف التكريم بوسام الجمهورية، فإني أكبر كل الجهود المساهمة في تثبيت أركان النظام الجمهوري ونشر قيمه ودعم إنجازاته وإثراء مكاسبه. إن إرساء النظام الجمهوري ببلادنا جسم معاني المواطنة بالنسبة إلى كل تونسي وتونسية وجعل من الشعب المرجع والفيصل في تصريف شؤون الوطن وفي مقدمتها الانتخاب الحر المباشر لمن يتولى شؤونه ولمن يمثلونه في السلطة التشريعية والمجالس البلدية. وإنه لمن حسن الصدف أن نحتفل هذه السنة بالذكرى الخمسين لإعلان الجمهورية وبالذكرى العشرين للتحول، ففي ذلك من الرموز والمعاني السامية ما يربط الصلة بين أمجاد ماضينا ومكاسب حاضرنا و فاق مستقبلنا. أيها المواطنون، أيتها المواطنات، إننا نعتز بأن تونس كانت من أوائل دول العالم التي عرفت منذ القدم أشكالا راقية للحكم القائم على المشاركة والمؤسسات. فقد نوه أرسطو في كتابه "السياسة" بدستور قرطاج وبدواليب دولتها ونظمها وطرق تكوينها. ولا بد من التذكير أيضا بأن الإعجاب بالنظام الجمهوري كان حاضرا في وجدان رواد حركة الإصلاح التونسية وأدبياتهم منذ القرن التاسع عشر، فقد تحدث أحمد ابن أبي الضياف في كتابه "الإتحاف " عن النظام الجمهوري ووصفه وصفا دقيقا وبين مزاياه. وكان الفكر الإصلاحي أحد منطلقات إعداد بلادنا للتوجه نحو اختيار النظام الجمهوري، إضافة إلى ما ميز فترة النضال التحريري من أساليب المقاومة، وحسن التنظيم، وما أنجبه شعبنا من قيادات أيقظت نخوته، ووحدت صفوفه، ودربته على العمل الجماعي، وعلى ترتيب حياته الوطنية بما يتناسب مع إمكانياته واختياراته، وهو ما فسح المجال لإعلان الجمهورية، بأسلوب سلمي حضاري ودستوري، استجاب لمشيئة الشعب، في ظل دولة الاستقلال الفتية. وظلت أركان الجمهورية تتعزز في مختلف مناحي حياة الدولة الوطنية الحديثة، في إطار قيم مرجعية، وفقت بين مقتضيات التطوير والتحديث وثوابت الهوية الوطنية. أيها المواطنون، أيتها المواطنات، إنها مناسبة نعرب فيها عن وفائنا لأرواح الشهداء وتقديرنا لأولئك الرواد الوطنيين الذين زرعوا في شعبنا بذور الوعي الوطني، ونظموا صفوفه، ليخوض معارك التحرير والتحرر، ونتوجه بمشاعر الإكبار إلى جيل البناة الذي ركز أسس الجمهورية، وأقام بناءها وفي مقدمتهم الزعيم الحبيب بورقيبة، أول رئيس للجمهورية التونسية. وقد جعل دستور بلادنا من الجمهورية قاعدة ثابتة لنظام الحكم لا يمكن المساس بها أو التراجع فيها، ومكسبا ثمينا تقع مسؤولية الحفاظ عليه على جيل الرواد وعلى سائر الأجيال المتعاقبة ببلادنا باعتباره رمزا لسيادة الشعب ولقيم الحرية والمساواة والعدالة، في ظله حكم شعبنا نفسه بنفسه لأول مرة منذ عهود طويلة، ونجح في إرساء مقومات الحداثة بأبعادها المتكاملة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. إن إرساء النظام الجمهوري وإنجاز المشروع الثقافي التحديثي جعلا من تونس بلدا عصريا حريا بأن يواصل مساره بثبات على درب التقدم والبناء، إلا أنه تم الزيغ بالنظام الجمهوري بإعلان الرئاسة مدى الحياة وإقرار الخلافة الآلية التي لا دخل للشعب فيها، وبذلك مرت البلاد بمرحلة من عدم الاستقرار هددت مكاسب الجمهورية ومنجزاتها بالتراجع والتلاشي. وكانت الأوضاع المتردية قبل التحول سنة 1987 تتطلب حسما سريعا، فاخترنا، من منطلق الوعي بالواجب الوطني المقدس، واعتمادا على مقتضيات الدستور، تحمل المسؤولية التاريخية كاملة لإنقاذ الدولة من الوهن الذي أصابها قبل فوات الأوان، ورد الاعتبار إلى الجمهورية وإحياء قيمها. وأعلنا منذ فجر التغيير "أن شعبنا بلغ من الوعي والنضج ما يسمح لكل أبنائه وبناته بالمشاركة البناءة في تصريف شؤونه في ظل نظام جمهوري يولي المؤسسات مكانتها ويوفر أسباب الديمقراطية المسؤولة وعلى أساس سيادة الشعب". أيها المواطنون، أيتها المواطنات، إن تحول السابع من نوفمبر كان مشروعا حضاريا استلهمنا جذوره ومبادئه من حركة الإصلاح ومن مسيرة الحركة الوطنية ومن طموحات شباب تونس وسائر قوى شعبنا الحية. وأردناه تواصلا وتطويرا وتحديثا وازدهارا، ورفضنا فكرة إرساء الجمهورية الثانية لمجرد تقليد الغير. وقد أوفينا بما تعهدنا به من إصلاحات في بيان السابع من نوفمبر 1987. وكان في طليعتها إعادة الاعتبار إلى النظام الجمهوري وقيمه بوضع حد للرئاسة مدى الحياة والخلافة الآلية لرئيس الجمهورية. وتتالت الإصلاحات الدستورية لدعم النظام الجمهوري وترسيخ سيادة الشعب وتعددت المبادرات في هذا السياق، وتضمنت بالخصوص توسيع مجال الاستفتاء التشريعي وإقرار الاستفتاء الدستوري لأول مرة في التعديل الذي أدخل على الدستور سنة 1997، حيث أصبح الشعب هو المرجع في كل ما يتعلق بالقضايا الوطنية وفي المسائل الهامة التي تتصل بمصلحة البلاد العليا. وترسيخا لسيادة الشعب وضمانا لتمثيل أوسع للجهات ولمختلف مكونات المجتمع، بادرنا سنة 2002 بإحداث مجلس للمستشارين، حرصا على تمثيل المنظمات المهنية والجهات والشخصيات والكفاءات الوطنية. وقد مكن إحداث هذا المجلس من تعزيز الوظيفة التشريعية وتطويرها، وهو ما أدخل حركية جديدة على الحياة السياسية. ولما كان تكريس علوية الدستور مقوما أساسيا من مقومات النظام الجمهوري، فقد بادرنا منذ الأسابيع الأولى للتحول بإحداث المجلس الدستوري، وعملنا على تطويره وعززنا مكانته بإدراجه في نص الدستور وإضفاء الصبغة الإلزامية على رائه بالنسبة إلى جميع السلطات العمومية، فأصبحت من صلاحياته رقابة الانتخابات الرئاسية والتشريعية وعملية الاستفتاء. وهو اليوم دعامة أساسية من دعائم دولة القانون، وضمان لسلامة دستورية القوانين وشفافية الانتخابات وعمليات الاستفتاء. وإيمانا منا بأن الدساتير توضع للحاضر والمستقبل، بادرنا بالتعديل الجوهري للدستور سنة 2002 ليتضمن المبادئ التي جاء بها المشروع المجتمعي للتحول والتي تشكل أبرز خياراتنا السياسية ومصدر الإصلاحات والتشريعات التي وقع إعدادها منذ التغيير، بهدف تأمين حقوق الإنسان وكرامة الفرد ودولة القانون والتعددية، والتضامن والتآزر والتسامح بين الأفراد والفئات والأجيال. ومن أهم الإضافات التي جاء بها الدستور الجديد، الإعلان عن ضمان الحريات الأساسية وحقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها وتكاملها وترابطها. فالحقوق المدنية والسياسية لا تكتمل إذا لم تقترن بتأمين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوق الأخرى من الأجيال اللاحقة. ورسخنا في الواقع دولة القانون الذي لا يعلو عليه أحد مهما كانت مكانته وذلك هو المغزى العميق لدولة القانون التي يقوم عليها نظامنا الجمهوري. واعتبارا لأهمية هذا الإصلاح الذي أرسى دعائم جمهورية الغد بادرنا بعرضه على استفتاء الشعب بعد موافقة مجلس النواب عليه حتى يكون تكريسا لخيار شعبنا وطموحاته. وحرصا منا على مزيد حماية حقوق الأفراد وتأكيد حق الملكية الذي يضمنه الدستور، نأذن اليوم بإعداد مشروع قانون لتطوير أساليب الطعن في أحكام المحكمة العقارية، وذلك بإقرار الاستئناف أو التعقيب حسب الحالة، مما يمكن المتقاضين من عرض نزاعاتهم العقارية أمام جهة قضائية أخرى دون المساس بنسق تصفية الأوضاع العقارية وتطهيرها. إن إقامة الجمهورية على مبدإ التعددية خيار جوهري من خيارات التغيير. ويعني ذلك تعدد الأحزاب والتنظيمات الشعبية والجمعيات ومختلف مكونات المجتمع المدني. كما يعني التعددية الفكرية والاختلاف في الرأي والاجتهاد. وإن إدراج مبدإ التعددية في الدستور من شروط ترسيخ الديمقراطية، فلا مجال للحزب الواحد أو للرأي الواحد. إن النظام الجمهوري يقترن بانتخاب رئيس الجمهورية. والانتخاب يعني حق الاختيار، ولا يكتسب الاختيار معناه الحقيقي إلا في ظل تعدد الترشحات لرئاسة الجمهورية. وإذا كان الانتخاب قد اتخذ في السنوات الأولى للجمهورية منحى مبايعة المرشح الواحد، فإننا عملنا على تجسيم حق الشعب في اختيار رئيس الجمهورية في إطار التعددية، من منطلق إيماننا العميق بنضج شعبنا وبحقه في اختيار المرشح الأجدر لتسيير شؤون البلاد. لذلك سعينا إلى تيسير شروط الترشح لرئاسة الجمهورية، وهو ما سمح لأول مرة في تاريخ البلاد، بتنظيم انتخابات رئاسية تعددية سنتي 1999 2004. أيها المواطنون، أيتها المواطنات، إن ما تحقق من مكاسب وإنجازات على امتداد خمسين سنة من قيام النظام الجمهوري، قد غير وجه الحياة بصفة جذرية في كامل أنحاء البلاد بمدنها وقراها وأريافها على حد سواء؛ فقد ارتفع متوسط الدخل الفردي إلى أربعة لاف دينار، وانخفضت نسبة الفقر إلى 3.8% مما أسهم في توسيع الطبقة الوسطى في المجتمع التونسي لتصل إلى حدود 80%، وارتفع أمل الحياة عند الولادة إلى 74 سنة. ولما كانت بلادنا اليوم من أوائل الدول في العالم من حيث مؤشر نسبة امتلاك العائلات لمساكنها، وباعتبار ما للسكن من أهمية في تعزيز مقومات العيش الكريم والرفاه العائلي، فإننا نأذن بإضفاء مزيد المرونة على قروض السكن وتخفيف الضغط على دخل الأسرة، وذلك بالتمديد في مدة استخلاص القروض المسندة، إلى خمس وعشرين سنة حسب قدرة البنوك المقرضة على تعبئة موارد طويلة الأجل. كما نأذن أيضا بالترفيع في مدة القروض المسندة في إطار نظام الادخار السكني إلى خمس وعشرين سنة، بما يسهم من جهة أخرى، في مزيد تنشيط هذا الصنف من الادخار. لقد كسبت بلادنا رهان تعميم التعليم، وارتفع عدد الطلبة اليوم إلى حوالي 360 ألف طالب، وانتشرت الأقطاب الجامعية في مختلف جهات الجمهورية، وتقلصت نسبة الأمية من 85% في بداية الاستقلال إلى ما دون 20% اليوم، وتوسعت التغطية الاجتماعية لتشمل كل الفئات. كما تحسن مستوى عيش السكان بتطوير الخدمات الأساسية، كالتنوير الكهربائي والماء الصالح للشراب. وتعززت مقومات مجتمع المعرفة بدعم البنية الأساسية الاتصالية والثقافة الرقمية |