الرئيس زين العابدين بن علي يقرر تعيينات جديدة بالتجمع الدستوري الديمقراطي ...الرئيس زين العابدين بن علي يجتمع بالوزير الأول ...كلمة الرئيس زين العابدين بن علي فى الدٌورة العادية 15 لمؤتمر الإتٌحاد الإفريقي ...الرئيس زين العابدين بن علي يشرف على موكب ذكرى اعلان الجمهورية ...
ensemble relevons les defis
logo d ela compagne 2009
الشهر السابق اليوم السابق
اليوم اللاحق الشهر اللاحق

خطاب الرئيس زين العابدين بن علي بمناسبة إحياء الذكرى الحادية والخمسين لعيد الاستقلال  


20-03-2007

قرطاج،20 مارس 2007

بسم الله الرحمان الرحيم

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

نحيي اليوم بكل اعتزاز الذكرى الحادية والخمسين للاستقلال الوطني، مستحضرين المعاني والدلالات الخالدة لهذا الحدث التاريخي العظيم، مؤكدين حرصنا على صيانة الذاكرة الوطنية، وعلى إبراز مآثر شعبنا وأمجاده حتى تكون على الدوام مصدر فخر وعبرة لأجياله المتعاقبة .

لقد كان الكفاح من أجل التحرير صورة رائعة لصمود التونسيين والتونسيات من كل الفئات والجهات، ولعمق شعورهم الوطني، وتعلقهم بالحرية والكرامة، ووقوفهم صفا واحدا للدفاع عن حرمة الوطن والذود عن حماه .

وإذ نذكر بكامل الخشوع والإجلال، ما قدمه أبناء شعبنا على امتداد ثلاثة أرباع قرن، من تضحيات جسام في مقاومة الاستعمار شاركت فيها كل القوى الوطنية بقيادة الحزب الحر الدستوري، فإننا نجدد وفاءنا لأرواح الشهداء ونضالات القادة والزعماء وفي طليعتهم الزعيم الحبيب بورقيبة، رائد تلك الملحمة وباني الدولة الحديثة. كما نحيي كل الذين مازالوا يرافقوننا على درب النضال من جيل المقاومة والكفاح، مقدرين ما بذلوه من تضحيات ومؤكدين إحاطتنا بهم ورعايتنا الدائمة لهم .

إن وفاءنا لهذا الإرث النضالي المجيد وتقديرنا لإنجازاته ولمكاسبه يحفزنا اليوم إلى الارتقاء بتونس إلى أعلى مراتب الازدهار والمناعة .

وما تحول السابع من نوفمبر إلا تأكيد لهذا الوفاء. وقد أقدمنا عليه لصون مكاسب الاستقلال وإنقاذ مؤسسات البلاد ونظامنا الجمهوري من الأخطار التي كانت تتهددها. وأردناه عهدا جديدا قوامه مشروع إصلاحي شامل يؤمن لتونس مقومات الصمود والمناعة والاستقلال .

إنه مشروع أسسناه على مرجعياتنا التاريخية والحضارية، وعلى ثوابتنا الوطنية وخيارات شعبنا وطموحاته. وقد أخذنا دائما في الاعتبار ما يشهده العالم من حولنا من تطورات سريعة، وما تعرفه الحضارة البشرية والأوضاع الدولية من تحولات عميقة في كل المجالات .

وهي تحولات تغيرت في ضوئها أبعاد استقلال البلدان وسيادة الشعوب، مثلما تبدلت بفعلها شروط تحصين الذات والحفاظ على مناعتها وتثبيت موقعها في العالم .

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

إن مراهنتنا على الديمقراطية واعتبارها من الخيارات الأساسية الراسخة في مشروعنا الإصلاحي إنما ينبعان من حرصنا على أن تكون إرادة الشعب دائما هي العليا، وعلى تمكين كل أفراده رجالا ونساء من مقومات الكرامة والمواطنة الكاملة في كنف العدل والمساواة، مما أتاح للجميع فرص المساهمة في دفع مسيرة بلادنا نحو المستقبل .

ولما كانت الحريات والديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان من دعائم الاستقرار وتحصين المناعة، وتكريس السيادة، فإن الإصلاحات السياسية المتلاحقة التي اعتمدناها خلال العقدين الماضيين، وتوجناها بإصلاح جوهري للدستور، كانت كلها تكريسا لهذه المعادلة، من خلال تمش عملي يتقدم ويتطور في كل مرحلة بمنأى عن عوامل الانتكاس والتراجع التي عرفتها عديد التجارب في العالم .

كما اعتبرنا دائما أن التنمية الشاملة والمستديمة هي المفتاح للحفاظ على الاستقلال بكل أبعاده في زمن تفاقمت فيه مؤثرات المحيط الخارجي بمفعول العولمة وما تحمله من مخاطر رغم الفرص العديدة التي تتيحها للتطور والرفاه .

ولا معنى عندنا للاستقلال، إذا لم تكن البلاد سيدة قرارها مقدرة لإمكانياتها الذاتية، ومعولة على طاقات شعبها للنماء والتطور قبل أي مصدر آخر .

لذلك اعتمدنا دائما على أنفسنا في المقام الأول، مستشرفين المستقبل بكل تبصر. فنسجنا علاقات تعاون متينة مع محيطنا الدولي، وربطنا صلات تضامن قوية مع الأشقاء والأصدقاء، في كنف الاحترام المتبادل وتكافؤ المصالح المشتركة، مما بوأ بلادنا منزلة مشرفة في المحافل الدولية وأكسبها ثقة واحترام المنظمات والمؤسسات الأممية المختصة .

وإن ما توفقت إليه تونس من نتائج إيجابية في مختلف مجالات التنمية لا يزيدنا إلا عزما على المضي في هذا النهج، في ضوء أولوياتنا، وفي إطار ما رسمنا من توجهات وأهداف في برنامجنا لتونس الغد من أجل الارتقاء بالبلاد إلى درجة أرفع من التقدم والرقي .

إن تكريس التضامن بين مكونات المجتمع ومختلف فئاته وأجياله ركن أساسي في مشروعنا الإصلاحي. وقد حققنا في هذا المجال أفضل النتائج. ويمكن اليوم أن نؤكد أن منظومتنا الاجتماعية مثال مكتمل لمجتمع التضامن والتآزر، ثقافة وإنجازا، تتوفر فيه مختلف شروط التماسك والتوازن والاستقرار، ويشكل وجها من وجوه وفائنا لإرثنا النضالي والحضاري وخير امتداد لما عرفه شعبنا عبر تاريخه من توافق ووحدة. فالاستقلال في نظرنا عنوان الكرامة .

وإننا لا ندخر جهدا من أجل تعزيز إمكانيات شعبنا وتثمين قدراته في زمن أصبح فيه التنافس بين الشعوب قائما على الذكاء والمعرفة، وغدا فيه الرهان بين البلدان هو الأسبقية في امتلاك ناصية العلوم والتكنولوجيات، والريادة في التجديد والابتكار .

لذلك كانت عنايتنا فائقة بتنمية مواردنا البشرية من خلال تطوير برامج التربية والتكوين والتعليم العالي والبحث العلمي والاستثمار في الذكاء، وبناء مجتمع المعرفة لإيماننا بأن مكانة الشعوب ومستقبلها يتحددان اليوم بمدى نجاحها في هذه الميادين واندراجها ضمن أنساق الثورة الاتصالية وسيطرتها على التكنولوجيات الحديثة .

وإذ قطعنا أشواطا كبيرة على هذا الصعيد، وحققنا من النتائج الباهرة ما جلب لبلادنا التقدير والاحترام، وأهلها لاحتضان أول قمة عالمية حول مجتمع المعلومات سنة 5002، فإننا سنظل سائرين على هذا الدرب، تكريسا لإيماننا بأن سبيل العلم والمعرفة والتحكم في التكنولوجيات الحديثة، هو الأفضل لمواجهة التحديات وتحقيق التنمية والتقدم .

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

نحتفل غدا بعيد الشباب وهي مناسبة متجددة نؤكد فيها مراهنتنا على شباب تونس الذي نرى فيه مستقبلنا الواعد. لذلك لا ننفك نحيطه بالعناية والرعاية، ونفتح أمامه فاق اكتساب العلوم والمعارف والمهارات، والتألق في ميادين الرياضة والثقافة والإبداع والتجديد .

ولابد من التذكير بأن محور هذه السياسات لدينا هو بناء الشخصية المتوازنة المعتدلة والمتفتحة، الشخصية المتمسكة بالهوية الوطنية، الراسخة في الولاء لتونس، والقادرة على المنافسة والمغالبة في جميع المجالات. ومثلما نحرص على تحصين شخصية ناشئتنا ضد مخاطر الاستيلاب والتغريب، فإننا نحرص في ذات الوقت على تأمينها ضد تيارات التطرف والتعصب والإرهاب .

لذلك فإننا نؤكد مجددا ضرورة الإصغاء الدائم إلى الشباب، والانتباه إلى رائه وتصوراته، والتفاعل مع تطلعاته و ماله، لاسيما في إطار الاستشارات الشبابية التي أصبحت لية دورية قائمة الذات، يتزامن تنظيمها مع إعداد مخططات التنمية، حتى يتمكن شبابنا من المساهمة في المسيرة الوطنية ومن تحمل مسؤولياته في تعزيزها وإثرائها .

وأريد بهذه المناسبة أن أشير مجددا إلى ضرورة أن يكون الخطاب الموجه إلى الشباب خطابا متجددا متفاعلا مع مقتضيات التطور والتحولات الاجتماعية، مستجيبا لتطلعاته مواكبا لطموحاته ولتساؤلاته .

وسيظل موضوع تشغيل الشباب وحاملي الشهادات العليا بالخصوص أولوية دائمة لدينا تدفعنا إلى البحث عن المزيد من الوسائل والسبل لتكثيف فرص التشغيل والمبادرة الخاصة، بما يدعم النتائج التي تحققت بفضل الآليات والبرامج الموضوعة لهذه الغاية .

وإني أدعو جميع الأطراف وخصوصا الاقتصادية منها إلى مزيد إيلاء موضوع تشغيل الشباب المكانة الأولى في اهتماماتها باعتباره مسألة وطنية بالأساس نتقاسم جميعا مسؤوليتها، وهي مسؤولية تتحملها الدولة والمجتمع مثلما يضطلع بها القطاع العام والقطاع الخاص على حد سواء .

كما أهيب بالشباب أن يكون سباقا في هذا المضمار، متحليا بروح المبادرة، حتى يحسن استثمار ما وضعنا على ذمته من إمكانيات لبعث المشاريع والمساهمة بدوره في دفع التشغيل .

إن شبابنا أمانة بين أيدينا نرعاه اليوم ليكون غدا في مستوى المسؤولية المنوطة به، ساهرا على حماية المكاسب والأمجاد، حريصا على دعم مناعة البلاد وتقدمها، شعاره دائما الولاء لتونس دون سواها .

وإن مكانة المرأة التونسية في مجتمعنا وفي محيطنا الحضاري مكانة متميزة، وهي مصدر فخر واعتزاز. وقد جعلنا من الارتقاء بأوضاعها شرطا للإصلاح وخيارا لا تنمية ولا تقدم بدونه .

وقد كسبنا الرهان بفضل انخراط المرأة في هذا المشروع التاريخي الذي يثبت أقدام بلادنا في الحداثة ويعزز هويتنا الثقافية وأمجادنا التاريخية، ويجسم الوفاء لحركات الإصلاح والتنوير والتحرير التي كانت دائما سباقة إلى النهوض بأوضاعها .

ولما كانت المرأة التونسية اليوم شريكة فاعلة في الأسرة والمجتمع، ومساواتها مع الرجل في كل الميادين أمرا محسوما لا جدال حوله ولا تراجع فيه، فإنها مدعوة لأن تكون في مقدمة القوى الدافعة إلى المستقبل وإلى تأسيس نموذج تونسي للحداثة الحقيقية القائمة على مواكبة العصر والرسوخ في مقومات هويتنا التونسية، العربية الإسلامية، وعلى ما ميز شعبنا طوال تاريخه المجيد من وسطية واعتدال وتفتح، شعبنا الذي كان دوما جسر تواصل وحوار وتفاهم مع غيره من الشعوب والحضارات والثقافات .

وإننا اليوم واثقون أكثر من أي وقت مضى بكفاءة المرأة التونسية، وبقدرتها على النهوض بهذا الدور التاريخي والحضاري .

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

لقد اعتبرنا الثقافة سندا للتغيير، ووفرنا لها ولأهلها كل التشجيع والتقدير والدعم والتحفيز على الخلق والابتكار، حرصا دائما منا على إشاعة المناخ الملائم لحرية التفكير والتعبير والإبداع. إن أهل الفكر والفن والثقافة هم طليعة مجتمعنا، يعمقون الوعي بالقيم والثوابت والخيارات الوطنية، ويرتقون بالذوق العام، وينتجون ألوان الإبداع وكل ما به نبني مجتمع الحداثة والثقافة والحضارة .

وإذ أعرب عن عميق تقديري لأهل الفكر والإبداع لما يبذلونه من جهود وما ينجزونه من أعمال تدعم مكانة ثقافتنا الوطنية وتزيد في إشعاعها، فإني أدعوهم إلى مزيد المثابرة على هذا المنهج، وإلى تكثيف إنتاجهم نهوضا بالأدوار الموكولة إليهم، خذين في الاعتبار ما تفرضه العولمة وتقنيات الاتصال الحديثة من تحديات. فقد راهنا دائما على نخبنا، ونحن ثابتون على هذا الخيار والآفاق مفتوحة أمام الجميع لخدمة الوطن .

فقدر الثقافة اليوم أن تكون من دعائم الاستقلال وأن تنهض بمهمة الحفاظ على مقومات الهوية وتحصين المجتمع من الذوبان في الظواهر الدخيلة والأنماط المنحرفة، مع العمل في الوقت ذاته على التعريف بالخصوصيات الثقافية التونسية وإبراز الشخصية الوطنية وتكريسها على أوسع نطاق .

إنها مهمة دقيقة موكولة إلى مثقفينا ومبدعينا، لأنهم الأقدر على أدائها، بفضل ما يتحلون به من حب لتونس وإخلاص لقيمها وغيرة على سيادتها واستقلالها وحرص على خدمتها والرفع من شأنها وتوسيع دائرة إشعاعها .

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

إننا نبذل كل ما في وسعنا من أجل دعم مكانة تونس وإعلاء كلمتها في العالم، بما نتخذه من مبادرات دولية تحظى بالتقدير والتأييد، مثل دعوتنا إلى إنشاء صندوق عالمي للتضامن والقضاء على الفقر، و من خلال ما تتسم به سياستنا الخارجية من اعتدال وتمسك بالشرعية الدولية، وتعلق بقيم الحق والعدل، وخدمة قضايا الأمن والسلم والاستقرار في العالم، ونبذ العنف والتطرف والإرهاب، والدعوة إلى التسامح وإرساء أسس التنمية العالمية المتضامنة، وترسيخ الحوار بين الثقافات والحضارات والأديان .

ومن هذه المنطلقات نحرص على دفع مسار البناء المغاربي باعتباره خيارا استراتيجيا لا محيد عنه، كما نحرص على دعم العمل العربي المشترك واستحثاث نسق التطوير والتحديث الذي رسمته توصيات قمة تونس في سنة 2004 .

وفي هذا الإطار ذاته، نأمل أن تتظافر الجهود وتتكثف من أجل وضع حد لتردي الأوضاع في العراق وإيجاد حل للأزمة القائمة في لبنان .

كما نؤكد تضامننا الدائم مع الشعب الفلسطيني الشقيق في كفاحه المشروع من أجل الحرية والسيادة وإقامة دولته المستقلة، وندعو مجددا القوى الفاعلة في العالم إلى تكثيف مساعيها لإيجاد حل عادل وشامل ودائم للقضية الفلسطينية، يوفر الأمن والاستقرار لجميع شعوب المنطقة .

ومن منطلق الالتزام بالتضامن الإفريقي، نحرص أيضا على دفع العمل الإفريقي المشترك على الصعيدين الثنائي والقاري، ونسهم في إشاعة الأمن والسلم في القارة والمشاركة في قوات حفظ السلام الدولية .

واعتبارا للعلاقات الإستراتيجية التي تربطنا بالاتحاد الأوروبي فإننا نعمل دوما على دفع هذه العلاقات إلى الأفضل، وترسيخ الشراكة المتضامنة مع دول الاتحاد، على أساس الحوار والتعاون والاحترام المتبادل. ونحن نواصل كذلك تمتين علاقات التعاون والشراكة مع دول القارتين الأمريكية والآسوية، خدمة للمصالح المشتركة، وحرصا على دعمها وتوسيعها في كل المجالات وعلى جميع المستويات .

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

إن تونس وأمجادها أمانة بين أيدينا. وهي أمانة مقدسة تتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل، ويتقاسم مسؤولية تحملها جميع أبنائها وبناتها، لا فرق بينهم إلا بقدر ما يقدمونه من تضحيات في سبيلها، وما ينجزونه من جليل الأعمال لأجلها .

ولقد نذرنا أنفسنا لخدمة تونس والذود عن حماها. وسنظل على هذا الدرب سائرين وفاء للشهداء الأبرار، وحرصا على أن تبقى بلادنا على الدوام، راسخة الأركان، شامخة البنيان، عزيزة الجانب حرة، مستقلة أبد الدهر .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



رجوع