موكب أداء القسم وكلمة رئيس الجمهورية المنتخب قيس سعيد

'' السيّد رئيس مجلس نواب الشعب بالنيابة، السيّد رئيس الجمهوريّة الأسبق، السيّد رئيس الحكومة والسّادة والسيّدات، السّادة رؤساء الحكومة السابقين، السادة رؤساء الهيئات الدستوريّة، السّادة والسيّدات ممثلي الهيئات الوطنيّة والأحزاب السياسيّة، أصحاب السعادة، سفراء ورؤساء البعثات الديبلوماسيّة والمنظّمات الإقليميّة المعتمدة في تونس، سماحة مفتي الجمهوريّة، السيّد كبير الأحبار بتونس، السيّد رئيس الأساقفة بتونس، السادة والسيّدات الضيوف الكرام من المغرب ومن كلّ أشقاءنا وأصدقائنا في العالم،

يا أبناء شعب تونس العزيز داخل حدود هذا الوطن وفي كلّ أنحاء العالم،

إنّ ما يعيشه التونسيون والتونسيات اليوم أذهل العالم بأسره لأنّ الشعب استنبط طرقا جديدة في احترام كامل للشّرعيّة، لم يسبقه إليها أحد، هو ارتفاع شاهق غير مسبوق في التاريخ، بل هي ثورة حقيقية بمفهوم جديد لأنّ الثورات تقوم كما هو مألوف ضدّ الشرعيّة ولكن ما حصل في تونس هو ثورة حقيقيّة بأدوات الشرعيّة ذاتها، ثمّ هي ثورة ثقافيّة غير مسبوقة أيضا، والثورات الثقافيّة ليست كتبا تنشر، أو مناشير توزّع بل هي وعيّ جديد، أو هي وعيّ يتفجّر بعد سكون ظاهر وانتظار طويل، هي لحظة تاريخيّة يتغيّر فيها مسار التاريخ، بوعيّ الشعب بأنّه قادر على تغيّير مساره، في الإتّجاه الذي يريد، استعصى على الكثيرين في تونس بل في العالم بأسره فهم هذه اللحظة التاريخيّة، ولا شكّ أنّهم سيدرسون، بل بدؤوا يدرسون المثال التونسي، في مؤسّسات البحوث والدّراسات، كما لا شكّ كذلك، أنّهم سيراجعون عديد المفاهيم التي استقرّت في الفكر السياسي، منذ عشرات العقود، يمكن من هذا المكان بل في كلّ مكان أن نتوجّه لكلّ التونسيون والتونسيات، رجالا ونساءا، شيوخا وأطفالا، شبابا وكهولا، في تونس وفي كلّ أسقاع العالم، بأسمى آيات الشكر، على ما بذلوه من جهود مضنية في المدن وفي القرى، في الأرياف وفي الجبال، وفي السهول، تحت أشعّة الشمس الحارقة، وتحت الأمطار المتهاطلة على ظهور الدّواب، وعلى الأقدام، لأنّهم أقرّوا العزم على المضيّ قُدُما في صنع تاريخ جديد، بل هم آثروا الموت، من أجل الحياة.

آثروا الحريّة، والكرامة ولن يرضوا عنهما بديلا، شكرا أيضا لمن أراد اختيار طريق أخرى، وانتخب بكلّ حريّة، من ارتأى اختياره، شكرا لا يرتقي وصف إلى صفته، إلى أبناء هذا الوطن العزيز، الذي أذهل العالم بما استنبطه من أدوات غير تقليديّة، انطلاقا من إيمانه العميق، بمواصلة شقّ الطريق التي بدء في شقّها، في شهر ديسمبر من سنة 2010، إنّ الجميع هنا يحمل أمانة، كلّ من موقعه والأمانة آمانات، أمانة الإستجابة لأبناء هذا الشعب، في الحرّية وفي الكرامة، فقد طال الإنتظار ولا حقّ لأحد، في أن يخيّب آماله، شعبنا يريد أن يعبُر الجسر، بل هو بدء العبور، فوق هذا الجسر الذّي شيّده، بدمه وعرقه من اليأس إلى الأمل، من ضفّة الإحباط إلى ضفّة البناء، والعمل، لم يكتفي الشعب التونسي في هذه الأيام الخالدة، بدولة القانون. بل تحوّل إلى مجتمع القانون، الكلّ حريص على فرض إحترامه حتى الأطفال في الصفوف الأولى من التعليم الإبتدائي، إنّ الأمانة أيضا التي لاشكّ بأنّ الجميع يشعر بثقل أوزارها، هي الحفاظ على الدّولة التونسيّة، الكلّ سيمرّ ويمضي، والدولة هي التي يجب أن تستمرّ وتبقىّ، الدولة التونسيّة بكلّ مرافقها، هي دولة التونسيّين والتونسيات، على قدم المساواة، وأوّل المبادئ التي تقوم عليها، هي المرافق العموميّة التي تقوم عليها، أوّل المبادئ هو الحياد، الكلّ حرّ في قناعاته واختياراته، ولكنّ مرافق الدّولة يجب أن تبقى خارج حسابات السياسة، فمثل هذه الحسابات هي كالحشرات في الثّمار، مآلها التعفّن قبل السقوط، وليس أخطر على الدول والمجتمعات من تآكلها من الدّاخل، إنّ الأمانة أيضا هي الحفاظ على مكتسبات المجموعة الوطنيّة، وثرواتها، كلّ واحد من أبناء هذا الوطن العزيز يجب أن يكون قدوة ولا مجال للتّسامح في أيّ ملّيم واحد من عرق أبناء هذا الشعب العظيم.

وليستحضر الجميع في كلّ آن وحين، شهداء الثورة وجرحاها، وكلّ الشهداء الذّين ضحوا بأنفسهم فداء لهذا الوطن ومازال العلم المُفدّى عند ذويهم مخضّبا بدمائهم الطاهرة الزكيّة، لقد آثروا الموت على أن يعيشوا حياة الظلم والهوان، آثروا الموت لوضع حدّ لإهدار المال العام وشبكات الفساد، ومن الأمانات وليست أقلّها، الوقوف متّحدين في مواجهة الإرهاب والقضاء على كلّ أسبابه، أنّ رصاصة واحدة من إرهابي ستُقابل بوابل من الرصاص الذي لا يحدّه حدّ ولا إعصار، وتحيّة متشدّدة لقوّاتنا المسلّحة العسكريّة و لقوّات الأمن الداخلي، وللدّيوانة، الذين يواجهون بالحديد والنار الإرهاب، وكلّ أنواع الجريمة وارتفعت أرواح العديد منهم إلى الرفيق الأعلى، في السموات العلى، لا يتّسع المُقام هنا للحديث عن الأمانات كلّها، فشعبنا أمانة ودولتنا أمانة وأمننا أمانة، وأنّاتُ الفقراء والبؤساء أمانة، بل إنّ إبتسامة رضيع في المهد أمانة، فلنحمل هذه الأمانات كلّها بنفس الصدق والعزم وما ذلك علينا بكثير، السيّدات والسّادة، أيّها الملئ الكريم من تونس وخارج تونس، ومن ضيوفها، ليس هناك ما يدعو إلى توجيه رسائل لأنّه تمّ توجيهها من منابر عدّة وكانت مضمونة الوصول، إنّ لمن أراد عدم تسلّمها بل أعرضها للسّمع أو أراد تشويه الفحوى والمضمون، ليكن الجميع واثقا أنّه لا مجال لأيّ عمل خارج إطار القانون، وليكن الجميع على يقين أنّ الحرّية التي دفع شعبنا ثمنها غاليا من أجل الوصول إليها، وممارستها في إطار الشرعيّة، لن يقدر أحد على سلبه إيّاها تحت أيّ ذريعة، أو تحت أيّ مسمّى، ومن كان يهزّه الحنين للعودة إلى الوراء فهو يلهث وراء سراب ويسير ضدّ مجرى التاريخ، ولتطمئنّ القلوب أيضا، في هذا السياق أنّه لا مجال أيضا للمساس بحقوق المرأة وما أحوج المرأة إلى مزيد دعم حقوقها، وخاصّة منها الإقتصاديّة والإجتماعيّة، فهي تكابد في البيوت وفي المعامل وفي المكاتب وفي الحقول، وكرامة الوطن هي من كرامة مواطنيه ومواطناته على السّواء، إنّ شعبنا العظيم الذي يتطلّع إلى الحرّية، يتطلّع بنفس القوّة والعزم إلى العدل، فقد ضاقت الصدور، من الظلم والحيث في كلّ المجالات، بل إنّ الأطفال صاروا ينتحرون او يفكّرون في الإنتحار، آن الأوان لتصوّر سبل جديدة، لتحقيق آمال شعبنا، في الشغل وفي الحريّة وفي الكرامة الوطنيّة، كما ليس هناك من شكّ على الإطلاق بأنّ المنظّمات الوطنيّة، يمكن أن تكون قوّة إقتراح، فوطنيّة أعضائها لا يشوبها ريْب، وقدرتهم على تقديم الحلول، وفتح آفاق جديدة، أشدّ وأقوى لتجاوز كلّ الأزمات، إنّ شعبنا العظيم يوجّه إلى الجميع اليوم رسالة واضحة مفادُها، أنّه يريد المساهمة في تخطّي كلّ الحواجز لأنّ من إفتدى الوطن بالدّم مستعدّ لأن يفتديَه بالعمل والمال، فقد أعلن الكثيرون في تونس وخارج تونس، عن إرادتهم للتّبرّع كلّ شهر بيوم عمل لمدّة خمس سنوات، حتى تفيض خسائر الدّولة، وحتى نتخلّص من التداين والقروض، فالتونسيون والتونيسيات، في حاجة فقط إلى علاقة ثقة جديدة بين الحكّام والمحكومين، فليساهم الجميع في هذه العلاقة التي افتقدوها منذ زمن بعيد، إنّ آمالهم كبيرة وحقوقهم مشروعة وليس لأحد الحقّ في أن يتجاهلها أو يتناساها، ومن الرسائل التي يتّجه توجيهها في هذا الموقف ومن هذا المكان بالرغم من أنه ليس هناك ما يدعو إلى إرسالها، إثر كلّ انتخابات لأنّ تونس دولة مستمرّة بمؤسّساتها، لا بـالأشخاص الذين يتولون إدارتها، وأنّ الدولة التونسيّة ملتزمة بكلّ معاهداتها الدوليّة، وإن كان من حقّها أن تطالب بتطويرها في الإتّجاه الذي يراعي مصالح شعبنا ومصالح كلّ الأطراف، وأهمّ من المعاهدات المكتوبة والبنود والفصول هو التفاهم بين الأمم والشعوب، من أجل الإنسانيّة جمعاء، ولا حاجة للتّأكيد مجدّدا على أنّ امتدادنا الطبيعي مع أشقّائنا في المغرب العربي وفي إفريقيا وفي الوطن العربي، ومع أصدقائنا شمال المتوسّط ومع كلّ من يقاسم شعبنا طموحاته وآماله في كلّ مكان، وستبقى تونس منتصرة لكلّ القضايا العادلة وأوّلها قضيّة شعبنا في فلسطين، والحقّ الفلسطينيّ لن يسقط، كما يتوهّم الكثيرون بالتقادُم، لأنّ فلسطين ليست قطعة أرض مرسمّة في سجّلات الملكيّة العقّاريّة، بل ستبقى في وجدان كلّ أحرار تونس وحرائرها، منقوشة في صدورهم، وماهو منقوش في الصدور لن تقدر عن فسخة القوّة أو الصفقات، ليس هذا الموقف موقفا ضدّ اليهود على الإطلاق فقد حميْناهم في تونس حينما كانوا ملاحقين وسنحميهم، بل هو موقف ضدّ الإحتلال وضدّ العنصريّة، وآن الأوان للإنسانيّة جمعاء أن تضع حدّا لهذه المظلمة التي تتواصل لأكثر من قرن، إنّنا نتطلّعوا إلى عالم جديد وإلى المساهمة في صناعة تاريخ جديد، يُغلّب فيه البُعد الإنساني، على سائر الأبعاد الأخرى، أيّتها السيّدات أيّها السّادة، يا شعبنا العظيم في كلّ مكان، الكلّ يعلم أنّ تحدّياة كبيرة والمسؤوليات جسيمة ولكنّ إرادة شعبنا العظيم وإصراره على رفعها وتخطّيها هي التي ستذلّل كلّ العقبات، والمسؤوليّة الأولى لرئيس الدّولة هو أن يكون دائما رمزا لوحدتها، ضامنا لـ إستقلاليتها ولـ إستمراريتها، وساهرا على إحترام دستورها، عليه أن يكون جامعا للجميع وعليه أن يعلو فوق كلّ الصراعات الظرفيّة والضيّقة، ولا فضل لأحد على أحد، إلاّ بحبّ هذا الوطن العزيز والاستجابة لمطالب شعبنا حتى نسلّمه الرّاية الوطنيّة إلى أجيال سوف تأتي من بعدنا، لترفعها أعلى وأعلى تحت كلّ سماء ولنجلس معا في مقعد صدق في هذه الحياة الدّنيا، لنجلس معا في مقعد صدق عند مليك مقتدر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته''.
 
 

 

المكان : مجلس نواب الشعب
التاريخ: 23 أكتوبر 2019
شارك :

الأخبار ذات الصلة

الصفحات

Layout Settings