كلمة سيادة رئيس الجمهورية أمام مجلس حقوق الإنسان الدورة الأربعون - "الجزء رفيع المستوى

السيّد الرئيس،

السيدة رئيسة الجمعيّة العامة للأمم المتحدة،

السيّد الأمين العام للأمم المتّحدة،

السيّدة المفوّضة السامية لحقوق الإنسان،

حضرات السيّدات والسّادة،

  

يطيب لي في البداية أن أهنّئ السّيد، كولي ساك، ومن خلاله جمهورية السنغال الشّقيقة بمناسبة انتخابه رئيسا لمجلس حقوق الإنسان، متمنّيا له التّوفيق في مهامّه.

كما أودّ أن أُعرب عن فائق تقديرنا للسّيد، أنطونيو غيتيريش، الأمين العام لمنظمة الأمم المتّحدة، ومساندتنا للجهود المتميزة التي يبذلها من أجل تحقيق مقاصد ميثاق المنظمة الأمميّة، وفي مقدّمتها تعزيز حقوق الإنسان في العالم.

ولا يفوتني أن أجدّد تهانينا للسيدة، ميشال باشلي، المفوّضة السّامية لحقوق الإنسان، على تولّيها هذا المنصب الهام. ونحن على يقين بأنّها ستضطلع بهذه المهمة بكلّ اقتدار بفضل ما تتميز به من تجربة ثرية وخبرة واسعة في المجالات المرتبطة بعمل المفوضية.

السيدات والسادة،

 

يسعدني اليوم أن أخاطب هذا المجلس الموقّر باعتباره منبرا هاما يعكس حرص المجموعة الدولية على ترسيخ حقوق الإنسان في العالم دون تمييز.

وهي مناسبة، أجدّد من خلالها التزام تونس الثابت بالمبادئ والقيم الكونيّة لحقوق الإنسان، وتأكيد مساندتها لكلّ الجهود والمبادرات الرّامية إلى مزيد الارتقاء بها، خدمة للقضايا العادلة وتعزيزا لمقومات السّلم والأمن في العالم.

 

ومن هذا المنطلق، كان تعزيز منظومة حقوق الإنسان في تونس، نصا وممارسة، من أبرز الأولويات التي عملنا على ترسيخها منذ انطلاق تجربتنا الديمقراطية، إيمانا منّا بأهميتها في تكريس دولة القانون والمؤسسات، وفي الحفاظ على السلم الاجتماعية وتعزيز تماسك النسيج المجتمعي.

وقد حرص التونسيون، لا سيما منذ سنة 2014،  على التمسّك بالتوافق والحوار، نهجا ثابتا في معالجة الخلافات وفي إدارة الشأن العام بمشاركة كافة أطياف المشهد السياسي ومكونات المجتمع المدني دون إقصاء ولا تهميش، مما ساهم في دفع مسارنا الديمقراطي وعزز وحدتنا الوطنية وجلب لتونس ولتجربتها الديمقراطية مزيدا من الاحترام والاعتراف على الساحة الدولية، تجسد من خلال منح الرباعي الراعي للحوار جائزة نوبل للسلام سنة 2015.

 

وتكريسا لهذا التوجّه الثابت في سياستنا، وترسيخا للمكاسب التي تحقّقت عبر مسار انتقالنا الديمقراطي، توفقنا في وضع دستور توافقي وتقدمي سنة 2014 يستجيب لأعلى المعايير الدولية، ويؤكد التزام التونسيين بالقيم الكونية لحقوق الإنسان وتشبثهم بالحرية والعدالة والمساواة. كما يكرس حرية الضمير ويؤكد في الآن ذاته، في فصله الثاني، أن " تونس  دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب، وعلوية القانون".

 

كما قطعنا خطوات هامّة في إطار استكمال تركيز الهيئات الدستورية، ونجحنا  في تنظيم أول انتخابات رئاسية وتشريعية حرة ونزيهة وتعددية في تاريخ البلاد وتنظيم انتخابات بلدية بنفس المقاييس خلال شهر ماي 2018.

 وقد شهدت هذه المحطات تمثيلا بارزا للنساء، كخيار وطني يعكس ما بلغه المجتمع التونسي من تطور ومن سعي لتكريس مبدأ المساواة بين المرأة والرجل في جميع المجالات.

السّيدات والسّادة،

 

إننا نعتقد أن حقوق الإنسان كل لا يتجزأ وأن من شروط تطور المجتمعات، خاصة في العالم العربي والإسلامي، النهوض بوضعية النساء وتحرير طاقاتهن، ذلك أن تحقيق المساواة بين الجنسين شرط من شروط تحقيق الديمقراطية، إذ أنه لا ديمقراطية بدون مساواة ولا تنمية حقيقية بدون القضاء على التمييز بين الرجل والمرأة.

 

ولا بد من التأكيد أن بلادنا قد تأصل فيها النفس الإصلاحي منذ أمد بعيد، حيث كانت تونس أول من ألغى الرق سنة 1846 ووضع وثيقة دستورية عُرفت بعهد الأمان سنة 1857 التي أسست لاعتماد دستورها الطلائعي لسنة 1861. كما أن دولة الاستقلال كرست هذه القيم وعززت التمشي الإصلاحي في برامجها الاقتصادية والاجتماعية المتجهة بالأساس نحو المرأة، التي باتت تحتل مكانة متميزة وتعتبر عنوان نجاح وعامل استقرار وتوازن مجتمعي، فضلا عن دورها الاقتصادي الهام.

حيث تفوق نسبة النّساء التّونسيات الحاصلات على الشّهادات العليا، حسب آخر إحصائيات اليونسكو 65 %، وبلغت نسبة المتحصلات على شهادة الدكتوراه 69 %، كما أنّ نسبة النّساء الباحثات تناهز 55 %. وقد تجاوزت نسبة النساء الناجحات في مناظرة الدّخول إلى المعهد العالي للقضاء لهذه السنة 80 % من مجموع الناجحين.

 

ويعود كل هذا إلى خيارات دولة الاستقلال التي عممت التعليم وجعلته وجوبيا ومجانيا. وأقرت في 13 أوت 1956 مجلة  للأحوال الشخصية، حررت المرأة واعتبرت بمثابة ثورة اجتماعية لتونس بقيادة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة. وتعزز هذا الرصيد القانوني بمصادقة تونس على عدد هام من الاتفاقيات الدولية أبرزها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة  سنة 1985 والتي بادرنا  في 24 أكتوبر 2011 بصفتنا وزيرا أوّلا آنذاك، بإصدار مرسوم تم بموجبه سحب تونس لتحفّظاتها على هذه الاتفاقية.

 

في هذا السياق، تتنزل مبادرتنا التشريعية المتعلقة بالمساواة في الميراث، وهي مواصلة للمنجز الإصلاحي الذي تميزت به تونس عبر تاريخها المعاصر وجعل منها استثناء. ونريد لهذه المبادرة أن تكون الثورة المجتمعية الثانية لتونس الجديدة تحقيقا للكرامة والمساواة والعدل.

 

وعلى هذا الأساس، طرحنا بكل مسؤولية واقتناع، مشروع قانون في الغرض يتماشى مع نص الدستور وروحه، مع إدراكنا المسبق أن مثل هذه المبادرات الجريئة يمكن أن تثير جدلا وأن تلقى معارضة لدى شريحة من المجتمع التونسي.

السيدات والسادة

 

إنّ هذه المبادرة، التي نأمل أن تتجسم في قانون أساسي، ستشكل نقطة تحول جديدة في تاريخ تونس الحديث، وقد أحلنا مشروع النص التشريعي إلى مجلس نواب الشعب في نوفمبر 2018 وفقا لمقتضيات دستور الجمهورية الثانية.

 

وأود أن أؤكد في هذا السياق أن الدين الإسلامي الحنيف خصّ المرأة بمكانة متميزة، وحثّ على ضمان حقوقها وكرامتها. ومن هذا المنطلق، فإنّ استثناء النّساء من المساواة في الميراث بتعلّة الخصوصيّة الدينيّة، نعتبره متعارضا مع روح الدين الإسلامي ومقاصد الشريعة، وغير متلائم مع فلسفة ومبادئ حقوق الإنسان.

 

  وخلافا لما ذهب إليه البعض من عدم دستورية مبادرة المساواة في الميراث بين الجنسـين على أساس الفصـل الأول من الدستـور الّـذي ينصّ عــلى أنّ : " تونس دولة حرّة، مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها"، فإنّ الدستور يلزم الدولة، في فصله 21، بإقامة المساواة بين الجنسين في جميع المجالات بما في ذلك الميراث. فضلا عمّا ورد بالفصل الثّاني الّذي ينصّ كما، سبق ذكره، على أنّ "تونس دولة مدنيّة، تقوم على المواطنة، وإرادة الشّعب، وعلويّة القانون".

 

ورغم ذلك واحتراما لكل الآراء، فقد مكّنّا في مشروع القانون الّذي عرضناه على مجلس نوّاب الشّعب، كل مورّث يملي عليه ضميره وإيمانه احترام ما يعتقد أنّه القاعدة الدّينيّة أن يعلن،في قائم حياته،عن رغبته في أنْ يَقْتَسِم ميراثه،بعد وفاته،على  قاعدة  "للذّكر مثل حظّ الأنْثَيَيْنِ".

السيدات والسادة،

 

لقد سهرنا عند تقديمنا مشروع قانون المساواة في الميراث على احترام الدستور كما يقتضيه منا الفصل 72 منه وعملنا على تطبيقه. وعليه، فلا غبار على قانون المساواة بين الجنسين في الميراث من وجهة نظر دستورية، ويظل اعتماده من قبل مجلس نواب الشعب أمرا ممكنا بالنظر إلى التوازنات السياسية داخله.

 

 كما نعتقد أن المساواة في الميراث ستفتح الباب أمام التمكين الاقتصادي للنساء خاصة وأن مساهمتهن في خلق الثروة وفي تطويرها ثابتة أمام تنامي مشاركتهن في الحياة الاقتصادية واكتساحهن مجالات العمل، بل إن الكثير من العائلات تقوم على دخل المرأة فيها وما يعنيه ذلك من تطوير لاقتصاديات بلداننا ونموها، فضلا عن كونه يساهم في الحد من ظاهرة العنف المسلط عليهن وتفقيرهن وتهميشهن في مجتمعاتهن، وبالتالي حفظ كرامتهن.

إن شعبا يستثني نساءه من مسيرته التنموية كأنه يبتر نصفه ويجعله مشلولا.

 ونحن نعتقد أنه حان الوقت لدولنا أن تفكر في استنهاض كل طاقات شعوبها دون تمييز أو إقصاء مهما كان تبريره. فلا تنمية بدون القضاء على التمييز ولا ديمقراطية بلا مساواة.

وفقنا الله لما فيه الخير لشعوبنا وللإنسانية جمعاء.

 

وشكرا على حسن الاستماع.

 

 

 

المكان : جنيف
التاريخ: 25 فيفري 2019
شارك :

الأخبار ذات الصلة

الصفحات

Layout Settings