كلمة رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي في الدورة 29 للقمة العربية

كلمة رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي في الدورة 29 للقمة العربية


بسم الله الرحمان الرحيم

حضرة الأخ خادم الحرمين الشريفين الملــــك سلمـــــان بن عبد العزيز آل سعود،

أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ،

معالي الأمين العام لجامعة الدول العربية،

السيدات والسادة،

يُسعدني، في مستهلّ كلمتي، أن أتوجّه بأَسْمَى عبارات الشّكر والتقدير إلى أخي حضرة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، على تَفَضُّلِهِ باستضافة قمّتنا العربية ولما حَظِينَا به من حُسْنِ وِفادة وكَرَمِ ضيافة مُنذُ حلولنا بأرض المملكة الطيبة، مُتمنّيًا له النّجاح في إدارة أعمال القمة في دورتها التاسعة والعشرين وفي قيادة دِفَّةِ العمل العربي في هذه المرحلة المَفْصَلِيّة من تاريخ أُمّتِنا.

كما أُعربُ لأخي جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، ملك المملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة، عن فائق التقدير لِرِئاسَتِه المُوفَّقَةِ للقمّة السابقة ولِمَا بذله من جهود قيّمة لخدمة قضايا أُمَّتِنا العربيّة.

والشُّكر مَوْصُولٌ لمعالي السيد أحمد أبو الغيط أمين عام جامعة الدول العربية، على جهوده الدَّؤُوبَةِ لتعزيز دور الجامعة ودفع العمل العربي المشترك.

وأودُّ أن أتقدم بأحرّ التعازي وأصدق مشاعر التعاطف والمواساة إلى الجزائر الشقيقة رئيسا وحكومة وشعبا إثر فاجعة تحطم طائرة عسكرية وما خلفته من خسائر بشرية فادحة، راجيا من الله العلي القدير أن يتغمد الضحايا بواسع رحمته وأن يحفظ الشعب الجزائري الشقيق من كل مكروه.

 

أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ،

نلتقي اليوم ومِنْطقتُنا لا زالت تُواجِهُ تحدّيات جسيمة وأوضاعًا دقيقة غير مسبوقة تُمثّل تهديدًا جدّيا للأمن والاستقرار والتنمية في بلداننا، واستنزافا لمُقَدّراتِها.

فمنذ انعقاد قِمَّتِنا الأخيرة بعمّان، شهدنا عديد الأحداث والتطوّرات الخطيرة. تَعَمَّقَتْ حِدَّتُها بسبب الارتباك في تطويقها وفي معالجة أسبابها وتداعياتها.

ورغم صُعوبة الوضع وتَفاقُمِ الأزمات والنزاعات، يظل الأمل قائمًا في أن تُكرّسَ قِمّتَنَا اليوم الإرادة الصّادقة التي تَحْدُونا للأَخْذِ بِزِمامِ أُمورِنَا.

وإذ نُقدّر عاليا أهمية هذه الاجتماعات واللّقاءات، فإنها تظلّ غيرُ كافيةٍ إنْ لم تُفضِ إلى قراراتٍ ونتائجٍ ملموسةٍ قادرةٍ على تغيير أوضاعنا نحو الأفضل.

فهذه الأمّة التي كانت ولا تزال لها إسهامات بارزة في الحضارة الإنسانية وفي الفكر الإصلاحي عبر مختلف مراحل تاريخها، جُبِلَتْ على قيم التّضامن والتآزر وهي اليوم أمام مسؤولية تاريخيّة لانتشال المنطقة من أَزَمَاتِها وتَحْصينِها إزاء ما يتهدَّدُها من مخاطر التصدّع والإرهاب والعنف.

وفي اعتقادنا لا يمكن بلوغ ذلك، ما لم نُضاعف جهودنا ونُوحّد كلمتنا ونُعمّق إيماننا بقيمة العمل العربي المشترك بوصفه الإطار الأمثل للتّعاطي النّاجع والبنّاء مع قضايانا من موقع المبادرة والفعل، بما يضمن تحقيق التسويات السياسية المنشودة عن طريق الحوار والتوافق وتغليب المصالح الوطنية العليا.

وفي هذا الإطار ندعو إلى التركيز على ما يَجْمَعُنا وَهْوَ كثيرٌ ونَبْذِ كلِّ ما قد يُفرّقُنا واستيعاب اختلافاتِنا وخدمة مصالحنا المشتركة وَصَوْنِ أَمْنِنَا القومي، في ظلّ أوضاع دولية بالغة التعقيد لا مكان فيها إلاّ للكَيَانَاتِ القويّة والمُتضامنَةِ.

 

أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ،

إنّنا مَدْعُوّونَ، في هذه المرحلة الدّقيقة، إلى تفعيل الدّور العربي في معالجة أوضاع المنطقة والدّفاع عن قضايا شعوبها وفي صدارتها القضية الفلسطينية العادلة التي طال أمدها بشكل لم يَعُدْ مقبولاً.

فالشّعب الفلسطيني المناضل أَحْوجُ ما يكون اليوم لموقف عربيٍّ حازمٍ وموحّدٍ في المحافل الإقليميّة والدّوليّة لدعم مطالبه المشروعة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي ووضع حدّ للاستيطان وانتهاك المقدسات وضمان المحافظة على كافة حقوقه الوطنية.

وبقدر تمسّكنا بالسّلام خيارا استراتيجيا، فإنّنا نُطالب المجتمع الدولي والقوى الفاعلة فيه، بضرورة تحمّل مسؤولياتها في توفير الحماية للشعب الفلسطيني الأعزل والدفع باتجاه تحقيق السّلامِ العادلِ والشّاملِ والدّائِمِ الذي يمكّن من إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وفقا لقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السّلام العربية.

وإنْ كُنّا نُقدّرُ الجهود الأمميّة والدّوليّة المبذولة لإنهاء الأزمات في عدد من البلدان العربيّة، فإنّ المسؤوليّة التّاريخيّة لحلّ هذه القضايا مَهْمَا اسْتَعْصَتْ تَقَعُ على عاتقنا بالدّرجة الأولى، فأهل مكّة أدرى بشعابها.

وفي هذا السياق ومن منطلق واجب المسؤولية وما يجمع الشعبين التونسي والليبي من روابط تاريخية عريقة ووشائج قربى متينة، تَقدّمْنَا بمبادرةٍ، بالتنسيق مع الشقيقتين الجزائر ومصر، لمساعدة الإخوة الليبيين على تجاوز الخلافات وتحقيق التسوية السياسية الشاملة عن طريق الحوار والتوافق ودون إقصاء، في إطار المسار الأممي ووفق مقتضيات الاتّفاق السياسي الموقّع في الصخيرات.

ونحن ملتزمون بمواصلة بذل كلّ الجهود في التقريب بين وجهات نظر الأطراف اللّيبية والمساعدة على استكمال بقية مراحل مسار التسوية وبناء مؤسّسات الدولة، وتحقيق الأمن والاستقرار في هذا البلد الشقيق بما يحفظ وحدته وسيادته.

وَنَدْعُو، في هذا الإطار، كلّ الدّول الشقيقة للعمل اليَد في اليَد من أجل المساهمة في تحقيق هذا الهدف المنشود ليعود الأمن والاستقرار إلى ربوع ليبيا وَيَتَمَكّنَ الشّعب الليبي من بناء دولته وتركيز مؤسساتها.

إنّ استمرار الأزمة في سوريا وما نتج عنها من مأساة إنسانية رهيبة ودمار غير مسبوق، يَسْتَوْجِبُ منّا التحرك الفاعل لمساعدة الشعب السوري على استعادة أمنه واستقراره وبناء مستقبله حتى لا يَظلَّ هذا البلد الشقيق مَرْتَعًا للتنظيمات الإرهابية ولمختلف التدخلات الخارجية، بكل ما يُمثّلُهُ ذلك من تهديد متزايد للأمن والاستقرار في المنطقة.

ونحن إذ نُعبّر، في هذا السياق، عن انشغالنا البالغ لتدهور الأوضاع على الساحة السورية بعد الضربات العسكرية التي جدت يوم أمس ضدّ أهداف سورية، فإنّنا ندعو إلى ضرورة تضافر جهود كل الأطراف الدولية لتفادي مزيد من التصعيد والتسريع بإيجاد حل سياسي شامل في هذا البلد الشقيق، مؤكدين في الآن ذاته رفضنا القاطع لاستعمال كل أنواع الأسلحة المحظورة دوليا من أيّ جهة كانت.

كما نتمنّى أنْ يَحْتَكِمَ الأشقّاء في اليمن إلى الحوار السياسي للتوصّل إلى تسوية تُحقّقُ المصالحة وتحترم الشرعية وتُحافظُ على وِحْدَةِ هذا البلد وسيادتِه وَتَضَعَ حَدًّا لمعاناة الشّعب اليمني الشقيق.

ونُجدّد بهذه المناسبة إِدانَتَنَا الشّديدة للهجمات الغاشمة التي استهدفت أراضي المملكة العربية السعودية الشقيقة، مُؤكّدين حِرْصَ تونس على أمن المملكة الذي هو من أمننا جميعًا.

 

أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ،

إنّ استمرار مختلف هذه الأزمات بتعقيداتِها وتداعياتِها، قد تَسبَّبَ في تدهورٍ غَيْر مسبوق للأوضاع الإنسانية لمئات الآلاف من أبناء وطننا العربي وعَطّل جهود التنمية والتطوير في بلداننا حيث أُجْبِرتْ عديد الدول على اقتطاع موارد مالية هامة من ميزانياتها لمجابهة آثار ومخلفات هذه الأزمات.

ويظلُّ الإرهاب أكبرَ خطرٍ مُحْدِقٍ بالأمن والاستقرار والتنمية في بلداننا، رغم ما تمَّ تحقيقُه من إنجازات هامّة في التصدّي للتنظيمات الإرهابية وَدَحْرِهَا.

وفي هذا السياق نُجدّدُ تهنئة العراق الشّقيق بما حقَّقَهُ من نجاحات في تطهير أراضيه من المجموعات الإرهابية.

ونحن مطالبون بمواصلة جهودنا من خلال استراتيجية مشتركة لمحاربة هذه الآفة واستِئْصَالِها من جُذورِهَا، وِفْقَ مُقاربَةٍ شاملة تأخذ في الاعتبار مختلف الأبعاد الأمنية والسياسية والتنموية والثقافية، وتقوم على التنسيق المُحْكَمِ والتعاون الفعّال على المستويين الإقليمي والدولي.

ونأملُ من أجل ذلك أن تجْتَمعَ إِرادَتُنَا على تفعيل منظومة الأمن الجماعي العربي وتعزيزها.

كما نُجدّد الدّعوة إلى اعتماد الخطط المناسبة لتحصين مجتمعاتنا، ولا سيّما فئة الشباب، من تأثيرات التيارات المتطرّفةِ والهدّامةِ عَبْرَ تحقيق التنمية الشاملة وتعزيز روح المواطنة ونشر قيم التسامح والاعتدال.

 

أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ،

إنّ تونس بقدر اعتزاز بانتمائها العربي، فإنّها على استعداد دائم لخدمة القضايا العربية وتعزيز الأمن القومي العربي، والإسهام الفاعل في كلّ الجهود الرامية إلى تطوير منظومة العمل العربي المشترك لِتَسْتَجيبَ لِتطلُّعاتِ شعوبنا.

وإذ نُؤكّدُ على أهمية المعالجة السّريعة والجِذْريّة للأزمات والنّزاعاتِ السائدة في المنطقة، فإنّنا نُجدّد الدّعوة إلى مضاعفة جهودنا لتجاوز ما يُعيقُ تطويرَ تعاوُنِنا الاقتصادي وإيلاء البُعد التنموي في عملنا المشترك، مزيدا من العناية والاهتمام بُغْيَةَ تحقيقِ التكاملِ المنشود بين بُلْدانِنا خِدْمةً لمصالح شعوبنا.

نُجدّد الشّكر والتّقدير لخادم الحرمين الشريفين وللمملكة العربية السعودية الشقيقة، متمنين للشّعب السعودي الشّقيق اطّراد التقدّم والرّفاه.

وفي الختام أدعو الله عزّ وجلّ، أنْ يُلْهِمَنَا سَبيلَ الرّشادِ، وأنْ يُوفّقنا جميعًا لما فيه خَيْرُ وصَلاَحِ أُمَّتِنا العربية.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 
 

 

المكان : الظهران بالمملكة العربية السعودية
التاريخ: 15 أفريل 2018
شارك :

الأخبار ذات الصلة

الصفحات

Layout Settings