إشراف رئيس الجمهورية على موكب الاحتفال بالعيد الوطني للمرأة

أشرف رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي يوم الاحد 13 أوت 2017 بقصر قرطاج، على موكب الاحتفال بالعيد الوطني للمرأة وبمرور 61 عاما على إصدار مجلة الأحوال الشخصية.

وفي الخطاب الذي ألقاه بالمناسبة أبرز رئيس الجمهورية التغيير الجوهري الذي أحدثه إصدار مجلة الأحوال الشخصية في تونس والذي مثل ثورة أسست لمجتمع المواطنة والحداثة الأصيلة، ثورة احتضنتها ملحمة التحرر الوطني والتقى فيها الفكر الإصلاحي بنضال الطاهر الحداد وتصميم الزعيم الحبيب بورقيبة.

واستعرض رئيس الدولة النتائج الإيجابية لإصدار مجلة الأحوال الشخصية في مختلف القطاعات مشددا على الخصوصية التونسية في المضي على درب الإصلاح والتنوير طلبا للمزيد من المساواة والإنصاف مستشهدا في هذا الإطار بالخطوة العملاقة الجديدة التي تمت لدى المصادقة موفى شهر جويلية الماضي على القانون المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، ومواصلة لهذا السعي اعتبر رئيس الجمهورية أنه يجب في موضوع الإرث " الحديث والاعتقاد والاجتهاد في المساواة بين الرجل والمرأة بل وإقرارها إذ أن مشروعية المساواة ثابتة دينيا ودستوريا وسبق أن تم إقرار توريث البنات مباشرة بإلغاء الحجب الذي كان لا يمنح حق إرث البنت لوالدها مباشرة".
وفي هذا السياق عبر رئيس الجمهورية عن يقينه من أن لجنة الحريات الفردية والمساواة التي تم إحداثها لدى رئاسة الجمهورية ستثبت من جديد أن " العقل الإيماني الإصلاحي القانوني التونسي سيجد الصيغ الملائمة التي لا تتعارض مع الدين ومقاصده ولا مع الدستور ومبادئه وستضيف لبنة أساسية في اتجاه المساواة الكاملة".

كما دعا رئيس الدولة إلى ضرورة تجاوز التمييز في المجال الفلاحي وتمكين العاملات من نفس الأجر الأدنى في هذا القطاع وأشار إلى ضرورة أن تتناول الحكومة مسألة ما يعرف بمنشور 73 والذي أصبح يشكل عائقا أمام حرية اختيار القرين وبالتالي تسوية الوضعية القانونية للكثير من التونسيات التي اتجهت ارادتهن للزواج بأجانب وتضارب هذا المنشور مع الفصل السادس من الدستور الذي يقر بحرية اختيار القرين وحرية المعتقد والضمير ويحمل الدولة مسؤولية حمايتهما.

وجدد رئيس الجمهورية في ختام خطابه على تمسك تونس بنهج الاعتدال والإصلاح وأهمية تضافر جهود كل أبنائها نساء ورجالا مجندين لاستكمال مسارها الانتقالي الديمقراطي وتحقيق البرامج الكفيلة بإعادة النمو للاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية البشرية وفتح آفاق رحبة للشباب.

وتولى رئيس الجمهورية بالمناسبة منح وسام الجمهورية لثلة من الكفاءات النسائية من مختلف مجالات العمل والنشاط تقديرا لتميزهن وإسهامهن في دعم النظام الجمهوري وخدمة مثله العليا.

الصنف الثاني:

- السيدة نزيهة العبيدي: وزيرة المرأة والأسرة والطفولة.
- السيدة سميرة مرعي فريعة: وزيرة الصحة.
- السيدة سلمى اللومي رقيق: وزيرة السياحة والصناعات التقليدية. 
الصنف الثالث: 
- المرحومة رجاء بن عمار الصايم : فنانة مسرحية، مؤسسة فضاء المدار الثقافي بقرطاج.
- السيدة سعاد التريكي: مناضلة نسوية، دكتورة في الإقتصاد.
- السيدة زينب فرحات الجبالي: صحفية، ناشطة في المجتمع المدني، مديرة الفضاء الثقافي " التياترو".
الصنف الرابع: 
- السيدة حميدة مقديش التركي : رئيسة قسم الأمراض الجلدية بالمستشفى الجامعي الهادي شاكر بصفاقس.
- السيدة نعيمة الهمامي: الأمينة العامة المساعدة بالمكتب التنفيذي بالإتحاد العام التونسي للشغل.
- السيدة تمنة طبيب: ناشطة في المجتمع المدني في الدفاع عن حقوق المكفوفين.
- السيدة لمياء الرزقي: صحفية.
-السيدة عزة بسباس: بطلة في رياضة المبارزة.

وفي ما يلي النص الكامل لخطاب رئيس الجمهورية :

بسم الله الرحمان الرحيم

نساء تونس، بناتي العزيزات،

أيها الشعب التونسي العظيم،
تحية لكل نساء تونس وبناتها في كل أرجاء البلاد وخارجها بمناسبة عيدهن الوطني،

تحية للطاهر الحداد الذي عانى شتّى ضروب المحن من عزلة وإقصاء وتكفير ثمنا لكفاحه الفكري من أجل تحرير المرأة،
تحية للزعيم بورقيبة ولكل المناضلات والمناضلين والمصلحات والمصلحين الذين تفطنوا قبل غيرهم إلى أن تحرير إرادة المجتمع بأسره يمر عبر تحرير المرأة.

بناتي العزيزات، أبنائي الأعزاء،
نحتفل اليـوم بالعيد الوطني للمرأة وبمرور إحدى وستين عاما على إصدار مجلة الأحوال الشخصية كأوَّلِ قانونٍ نَطَقَتْ به دولـةُ الاستقلال، حتى قبل إعلان الجمهوريـة في 25 جويلية 1957 وقبل إصدار دستور الجمهورية الأولى في غرة جوان 1959.

ولقد مثّل إصدار هذا التشريع ثورةً أصيلة، أداتُها القانون، ثورةٌ على الأعراف البالية وعلى منظومة الجهل والقهر والظلم والتزمت وقوى الجذب إلى الوراء، ثورةٌ أسَّسَت لمجتمع المواطنة والمساواة والحداثة الأصيلة، ثورةٌ وُلدت من انصهار نساء تونس في النضال ضد الاستعمار الذي رافقه دفاعٌ شرس على حريتهن وحقوقهن المشروعة في أن تكُنَّ مواطناتٍ كاملاتِ الحقوق والواجبات، ثورةٌ احتضنتها ملحمةُ التحرُّر الوطني والاجتماعي والتقى فيها الفكر الإصلاحي بنضال الطاهر الحداد وتصميم الزعيم بورقيبة.

بناتي العزيزات، أبنائي الأعزاء،

نحتفل اليوم بعيد المرأة وقـد خطونا خطوة أخرى عملاقة على درب الانتصار لِلنَّفَسِ الإصلاحي التحرّري الـذي انتهجهُ أسلافنا وذلك بمصادقة مجلس نواب الشعب على القانون الأساسي عدد 60/2016 المتعلق بالقضاء على العنف ضدّ المرأة بإجماع الحاضرين دون تسجيل أيّ احتفاظ أو رفض.
إن المصادقة على هـذا القانون في خضمّ الاحتفال بعيد الجمهورية ثمرةٌ مباركة من ثمـار الثورة وهو أداةٌ من أدواتها لرفع الضيم ودحر العنف المعنوي والجسدي والاقتصادي وتحقيق المساواة بين الجنسين وتمتينِ التوازن الأُسرِي والنهوض بالإنسان حُقوقًا ومنـزِلةً وجسدًا ورُوحًا وفكرًا ووجدانًا.

سيذكر التاريخ يوم 26 جويلية 2017، حيث تمّت المصادقة على هذا القانون، كحلقة وصلٍ كبرى مع مجلة الأحوال الشخصية ونقطة فصلٍ مع ما سبِق من مُهادنة للعنف المسُلّطِ على النساء الذي يُقِّـوِّضُ كيانَهُنَّ ويُدمّرُ الناشئة ويهدر القِيَم ويهزّ أركان المجتمع ويُمثّل وصمة عارٍ على دولـة ما بعد الثورة ودستورها الذي أتى مُبشِّرًا بالمساواة وبالحرية والكرامة.

لقد أصبحت تونس بفضل هذا التّشريع الأولى عربيا التي تُصادق على قانونٍ شامل لمناهضة العنف والدولة 19 على مستوى العالم.

ونحن لن نكتفي بما تحقق وسنمضي قدُمًا على نفس هذا الدرب، درب الإصلاح والتنوير طَلَبًا للمزيد من المساواة والإنصاف والاهتمام بما غفل عنه أسلافنا أو ما تفرضه سُننُ التطور أو المتغيرات في بلادنا وعلى مستوى العالم.

نساء تونس، بناتي العزيزات،
أيها الشعب التونسي العظيم،
عرف المجتمع التونسي والأسرة منذ الاستقلال إلى اليوم تطورا كبيرا جعل المرأة القلب النابض للبلد بأسره. ومن حسن حظي أنني كنت شخصيا شاهدا على إصدار مجلة الأحوال الشخصية، ذلك الحدث التاريخي الذي غيّر مجرى الحياة في العائلة وفي المجتمع ونحن نرى اليوم نتائجه الإيجابية بعد مرور أكثر من60 سنة. فلقد أثمر هذا الإصلاح مجتمعا جديدا وعلاقات عائلية واجتماعية جديدة مبنية على الاختيار الحرّ وصون الكرامة الإنسانية واحترام الحقوق والواجبات للمرأة والرجل دون تمييز ولا غلبة.

علينا اليوم تقييم هذه المسيرة التحرّرية الطويلة حتى نقف على أهم نتائجها ونرسم طريق المستقبل بكلّ ثقة خصوصا وأنّ الإحصائيات الأخيرة أكّدت التفوق العددي النسبي للإناث في تركيبة المجتمع التونسي (50,2%) إضافة إلى نتائج باهرة في مجالات هامة واختصاصات رائدة حققت فيها النساء نسبة النصف. ولقد فاقت حصّة الحاصلات على شهادات عليا 60% من المجموع العام وهذا مؤشّر على الكفاءات العالية التي أضحت تتمتع بها المرأة التونسية ممّا أسهم في ضمان حضورها في كافة المجالات الحيويّة والقطاعـات المهنيّة وحتّى الميادين التي كانت حكرا على الرّجال.

ففي الطبّ بلغت نسبة حضور النساء 60,52% بما فيها الطبيبات المقيمات والداخليات. وفي طبّ الأسنان والصيدلة بلغت النسبة 75,93% من المجموع العام للأطباء في هذه الاختصاصات. أمّا في الهندسة فلقد بلغت حصّتهن 35% وشهدت في الخمس سنوات الأخيرة استقرارا بنسبة 50% وهناك تفوق للنساء من حيث العدد في ميدان الهندسة الفلاحيّة والنسيج إذ بلغن 65% من العدد الجملي للمهندسين في هذين المجالين. ويعُدّ القضاء العدلي 41,67% من النساء القضاة بينما بلغت نسبتهن في قطاع المحاماة 43%. في حين بلغت نسبة الأستاذات الجامعيات 49,80%.

كما أنّ إقرار قاعدة التناصف في القوانين الانتخابية منذ أن كنت رئيسا للحكومة في 2011 ساهم في فتح الطريق أمام النساء للولوج إلى الحياة السياسيّة وخوض غمار الانتخابات بحظوظ أوفر مما كانت عليه في الماضي. فلقد بلغت نسبة النساء في مجلس نواب الشعب 36,56% ممّا يعادل 75 امرأة. كما تحسَّن حضورهن في بقية الهيئات المنتخبة ولعلّ النّسبة الكبيرة لتمثيلية النّساء في المجلس الأعلى للقضاء دليل على نجاح هذا الاختيار حتّى وإن ظلّ في بقية الهيئات المنتخبة الأخرى دون المأمول لكنّه سهّل على كل حال وصول النّساء إلى مراكز القرار.

نساء تونس، بناتي العزيزات،
أيها الشعب التونسي العظيم،
إنّ مساهمة النساء في الاقتصاد الوطني والعائلي تؤكد أهميّة الدّور الـذي تقُمن به في هذا المجال، ونحن على اقتناع راسخ بأن التمكين الاقتصادي للمرأة هو شرط لدعم مكاسبها في المجتمع ولمكانتها في الأسرة وهنا تأتي الأرقام مرة أخرى لتأكد على أحقّية حضور النساء ومساهمتهن الفعّالة في المجال الاقتصادي والاجتماعي.

فقد بلغت نسبة حصول النّساء على قروض للاستثمار في المشاريع الصّغرى والمتوسطة 54% من العدد الجملي للقروض الممنوحة في هذا المضمار ونحن نعلم مـا لهذه النّوعيّة من المشاريع من فاعليّة في توفير موارد رزق للعائلة وتحفيز للاقتصاد الوطني بشكل عام.

وتشير كلّ الدّراسات إلى أنّ نسبة سداد الدّين في القروض الممنوحة للنّساء هي الأكبر ممّا يُعزّز عامل الثقة في تمكينهنّ من القروض ويدعم استقرار المعاملات المالية البنكية ونجاح المشاريع الاستثمارية.

أمّا في القطـاع الفلاحي فقد بلغت نسبة النساء العاملات في الملكية العائلية 62% ويشكو هذا الصنف من غياب الأجر وما يتبعه من انعدام امتيازات وحقوق على غرار التغطية الاجتماعية رغم ما يوفره من دخل للعائلة وتنشيط للميدان الفلاحي خصوصا وللاقتصاد الوطني عموما.

في المقابل فإنّ نسبة النساء المستثمرات في نفس القطاع لا تتجاوز 6, 6% هذا الخلل في علاقة بالقطاع الفلاحي وطرق الوصول إلى تملُّك النساء للأرض باعتباره يسهّل الحصول على القروض بما يوفّره من ضمانة لدى البنوك.

لقد أثبتت المرأة التونسية قدرتها على تحمّل المسؤولية في كلّ المجالات بما يجعل منها عمادا للأسرة وعامل رُقيّ للوطن وللمجتمع بـأسره في كل الميادين وكثيرا ما تكون المُعيل والمساهم في نفقات العائلة بما يصل إلى نسبة تقدر بـ 45% من مصاريفها في حالة النساء صاحبات الدّخل. كما أنّها تساهم في الحصول على قروض مُكمِّلة لاقتناء سكن للعائلة بنسبة تفوق 33%. وعموما تشارك النساء في التنمية الاقتصادية للبلاد وفي النّاتج القومي الخام بما يقارب النّصف خاصة إذا ما اعتبرنا العمل غير المأجور والعمل المنزلي.

بناتي العزيزات، أبنائي الأعزاء،

يتّضح مما سبق ومن الأرقام المتوفرة في كل مناحي الحياة والتي لا يتّسع المجال لذكرها كُلِّها أنّ المرأة عنصر تنمية وتطوّر اجتماعي واقتصادي ولـقد تبوأت المواقع الأولى في العديد من المجالات وأثبتت جدارتها في القيام بمهامها على أكمل وجه.

غير أنّ واقعها لا زال يتميز بالحيف والظلم والتسلط والتمييز ولذلك وجب علينا السّعي لتحقيق المساواة بين النساء والرجال فهي أساس العدل وهو أساس العمران.
ولقد أتى دستور الثورة ليؤكد بوضوح في فصله 21 على المساواة بين المواطنات والمواطنين في الحقوق والواجبات دون أيّ تمييز. كما أنّه ينصُّ في فصله 46 على مسؤولية الدّولة في ضمان تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في جميع المجالات. وهذا ممّا حدا بنا منذ سنتين، من خلال قـانون 27 نوفمبر 2015، إلى تمكين الأم من استخراج جواز سفر الطفل القاصر أو الترخيص له بالسفر بما ييسّر إدارة شؤون الأسرة ويعزّز مبدأ المساواة.

كما أنّ العديد من المكاسب تحقّقت للمرأة بفضل تشريعات جديدة منها القانـون الذي أسلفنا ذكره في بداية هذا الخطاب والمتعلق بمناهضة كلّ أشكال العنف ضدّ المرأة وكذلك قانون منع الاتجار بالبشر الذي تمت المصادقة عليه في 21 جويلية 2016 لما كرّسه من حماية للنساء.

وتُترجم هذه القوانين جميعها التزام الـدولة بتحقيق المساواة وبناء مجتمع متوازن وتأتي كلها في تناغم مع الدستور ومع مجمل الاتفاقيات الدولية وأهمّها تلك المناهضة لكلّ أشكال العنف والتي سبق وأن رَفعتُ التحفظات عنها قبل مغادرتي رئاسة الحكومة في 2011.

نساء تونس، بناتي العزيزات،
أيها الشعب التونسي العظيم،
لقد أصبح الوعي بضرورة المساواة حاضرا اليوم في العقول والضمائر وفي السُّلوكات ومن الطبيعي أن ننظر إلى المستقبل ونُريد الإصلاح ما استطعنا لذلك سبيلاَ.

ومن الطبيعي أيضا أن نُواصل تطوير تشريعاتنا بما يتلاءم وتطوّر مجتمعنا وتغيّر سُنن الكون والحياة وفق تراثنا الإصلاحي التي أثمر مجلة الأحوال الشخصية وأسّس لكل الإصلاحات اللاحقة والمستقبلية على درب الاجتهاد والتنوير والتدبّر السليم في شؤون الناس تأسيسا للعقد المجتمعي التونسي بما لا يتنافى في شيء مع تعاليم الإسلام السمحة نصّا وروحا.

فتونس لهـا في تاريخها محطات نيّرة ورائدة في مجال الاجتهاد سعيـا لمُلائمة التشريع لواقع المجتمع وفق نظرة أصيلة، مُبدعة لا مُبتدعة، من ذلك الصّداق القيرواني كشكل من أشكال حفظ كرامة النساء في عقد الزّواج وحمايتهن من التطليق وهو اللبنة الأولى لتقنين الطلاق كما كرسته مجلة الأحوال الشخصية لاحقا في فصولها المانعة لتعدد الزوجات والمانحة للحق في الطّلاق القضائي وإلغاء التطليق وذلك على قدم المساواة بين المرأة والرجل. ثم جاءت إضافة إلى ما تقدّم تركيز حريّة الزواج عبر إلغاء قـانون الجبر والوصاية الزوجية، كما تمّ إقرار سلسلة من التشريعات منها الاعتراف بالتبني وإلغـاء واجب الطاعة وإقرار واجب المُماثلة في التعامل بين الزوجين وولاية الأمهات على أبنائهن القُصّر في صورة الطلاق والملكية المشتركة بين الزوجين والدّعوى القضائيّة في إثبات النّسب.

والجدير بالذكر أنّ مـا تحقّق تمّ في إطار احترام الفصل الأوّل من دستور 1956 الـذي ينُصّ على أنّ " تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها."

نساء تونس، بناتي العزيزات،

أيها الشعب التونسي العظيم،
يقول جلّ جلاله "إنّ أكرمكم عند الله أتقـاكم". فالإسلام في جوهره عـادل، إذ لا يُعقل أن يقبل التمييز بينما رفض التفريق بين عباده إلاّ بدرجة التقوى، لا بحسب جنسهم إن كان ذكرا أو أنثى. فالإسلام الذي حرّم وأد البنـات لا يقبل بالحيـف في حقّ المرأة ولا ينفي تطوّر معاملات المجتمعات لأفرادها وبهذا المعنى فهو صالح لكل الأزمنة.

واعتبارا لمبدأ مواكبة التشريع للسياق الزمني والحضاري ولمتطلبات الواقـع المتغير فإنّـنا نرى من الممكن ومن الضروري اليوم تطوير مجلة الأحوال الشخصية في العديد من المجالات طلبا لتكريس المساواة بين المواطنات والمواطنين وفق ما دعا إليه ديننا الحنيف وما نصّ عليه دستورنا الجديد في فصله 21.

فالإيمـان ومبادئه وتعاليمه ثابتة فيما الواقـع الاجتماعي مُتحوِّل ممّا يجعل من القراءة المُتحجّرة للنّص القرآني خروجا عن الروح الحقيقية لدين انتصر وسَادَ بين الناس بالعدل وأثبت التصاقه بتطوّر الواقع وبالمحيط الذي يعيش فيه ولنا في إلغاء أحكام العبودية خير مثال إذ لا توجد اليوم دولة تقبل التشريع لاستعباد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.

نساء تونس، بناتي العزيزات،
أيها الشعب التونسي العظيم،
لقد لاحظنا بارتياح بروز توجّه جديد في العائلات التونسية للأخذ بمبدأ المساواة في تقسيم الأملاك بالاعتماد على الهبة في قائم حياة الوالدين وعلينا التفاعل مع هذا التوجّه وتشجيعه وفقا للمنهج المقاصدي الحاثّ على الاجتهاد.

وقد برز منهج اجتهادي يؤكّد على أنّ قاعدة للذكـر مثل حظّ الأنثيين هي إذا ما تجنّبنا إقفال قلوبنا وعقولنـا وقرأناها وفق المقاصد الحكيمة وتاريخية النّزول إنّما ترمي إلى تحديد السّقف الذي لا يمكن النزول عنه في واقع قبلي كان يتميّز وقتئذ بإقصاء النساء من الميراث باعتباره مقتصرا على الرجال بغرض الحفاظ على ملكيّة الأرض للقبيلة وعدم تشتيتها بتوريث النساء. ونفس هذا التوجّه الاجتهادي المحمود يدفعنا نحو القبول بالمساواة على اعتبـار أنّ تحديد السقف الأدنى لا يمنع من المُضيّ إلى الحدّ الذي يليه طلبا للمساواة وأخذا بتطوّر سُنن الحياة وشروطها واعتبارا لارتفاع حصّة مساهمة النساء في تكوين ثروة الأسرة وقوامتها.

ولزاما عليه أصبح اليوم من المطلوب ومن الممكن تعديل قانون الأحوال الشخصيّة المتعلّق بالإرث بصورة مرحليّة مُتدرّجة حتّى بُلوغ هدف المساواة التامّة بين الرجل والمرأة. 
وإذا ما نظرنا إلى الفصل 2 من الدستور الذي ينصُّ على أنّ تونس دولـة مدنيّة تقوم على المواطنة وإرادة الشّعب وعلويّة القانون، فإنّ أحكام الميراث أصبحت تمثل الجزء الشاذّ في مجلة الأحوال الشخصية لأنها خارجة عن الفلسفة التحرّرية العامة المجسّدة في جلّ المسائل الأخرى الواردة في المجلة والمبنيّة أساسا على السّعي نحو الحدّ من التمييز بين الجنسين، ونحن اليوم نريد أن نرتقي بها حتى تواكب العصر وتتناغم مع رؤيتنا التحررية في الإصلاح والمساواة.

نساء تونس، بناتي العزيزات،
أيها الشعب التونسي العظيم،
إنّ موضوع الإرث لهو من مسائل الدنيا الفانية التي تركها الله الحكم العادل لاجتهاد خلقه، يتخيّر من خلالها منهم الصالحين والمُصلحين، لذلك وجـب الحديث والاعتقاد والجرأة والاجتهاد

في المساواة بين الرجل والمرأة بل وإقرارها إذ أن مشروعية المساواة ثابتة دينيا ودستوريا وسبق أن تمّ إقرار توريث البنات مباشرة بإلغاء الحجب الذي كان لا يمنح حق إرث البنت لوالدها مباشرة.

إنّي لمتيقّن أنّ العقل الإيماني الاصلاحي القانوني التونسي سيجد الصيغ الملائمة التي لا تتعارض لا مع الدّين ومقاصده ولا مع الدستور ومبادئه والتي ستضيف لبنة أساسية في اتجاه المساواة الكاملة.

وفي نفس السياق أودّ أن أطرح مسألة ما يُعرف بمنشور 73 والذي أصبح يشكّل عائقا أمام حريّة اختيار القرين وبالتّالي تسوية الوضعية القانونية للكثير من بناتنا التي اتجهت إرادتهنّ للزواج بأجانب وما خلّفه من مشاكل وأحيانا مآسي كنت شاهدا على إحداها.

إذ لا يمكن أن يستمر التغافل على وضعيات قانونية يُعقّدها هذا المنشور والحال أنّ الفصل 6 من الدستور يُقرّ بحرية المعتقد والضمير ويُحمِّل الدّولة مسؤولية حمايتهما.

نساء تونس، بناتي العزيزات،
أيها الشعب التونسي العظيم،
نحن أُمّة وسط اختارت لنفسها نهج الاعتدال والإصلاح، نقتدي بالعقـل وبه نهتدي إلى ما فيه فلاحُ الدين والدنيا ومصلحة العباد والبلاد، نشُقُّ طريقنا نحو الانعتاق والحرية بجمع طاقات كلّ أبناءنا نساء ورجالا متساوين كأسنان المشط، مواطنين مُجنّدين صفًّا واحدًا لرفع راية تونس دومًـا إلى الأعلى.

إن أريدُ إلاّ الإصلاحَ ما استطعتُ وما توفيقي إلاَّ بالله عليه توكلتُ وإليه أُنيب (صدق الله العظيم) 
عاشت تونس،
عاشت نساء تونس، 
والسلام.

المكان : قصر قرطاج
التاريخ: 13 أوت 2017
شارك :

الأخبار ذات الصلة

الصفحات

Layout Settings