كلمة سيادة الرّئيس بمناسبة الاحتفال بالذكرى العاشرة لإحداث المعهد الأعلى المحاماة

بسم الله الرّحمان الرّحيم

 

  • السيد مدير المعهد الأعلى للمحاماة،
  • السادة العمداء،
  • حضرات الزميلات والزملاء الأفاضل،
  • السيّدات والسّادة الكرام،

 

أودُّ  في مستهلّ هذه الكلمة أن اُعبّر عن خالص شكري للأستاذ نور الدين الغزواني على هذه الفرصة التي أتاحها لي لألتقي بمحاميي المستقبل في ذكرى تأسيس المعهد الأعلى للمحاماة الذي مرّ على تأسيسه عشرة أعوام.

وإذ ألتقي بكم اليوم فليس بصفتي رئيسا للجمهورية التونسية فحسب وإنما بصفتي أحد أفراد أسرة المحاماة النبيلة، أسرة الدفاع التي انتميت إليها منذ سنة 1952، ممّا جعلني أقدم محامٍ في جدول المحامين قبل أن أطلب إحالتي على عدم المباشرة لمّا شرّفني الشعب التونسي باختياره لي رئيسا للجمهورية مُنتخبًا لأوّل مرة في تاريخ بلادنا انتخابا حُرّا، مباشرا ونزيها لأتولى رعاية مصالحه وأُدافع عن قضاياه داخليا وخارجيا.

لا شك أنكم تدركون، زميلاتي و زملائي، أن مهنة المحاماة هي ركيزة من ركائز العدل وهو كما تعلمون أساس العمران. ولقد أصبح اليوم حقُّكم في المشاركة في إقامته مُنظّما بالدستور، من خلال الفصل 105، الذي أكد على حرية مهنة المحاماة واستقلاليتها وأحقِّيَّةِ مشاركتها في إقامة العدل والدفاع عن الحقوق والحريات.

 وما ورد بهذا الفصل من الدستور وضع حدا للقول بكون المحامي لا يشارك في إقامة العدل وإنما يساعد فقط على إقامته، وهي العبارة التي تضمنتها القوانين السابقة المنظمة للمهنة.

 

  • السيد مدير المعهد الأعلى للمحاماة،
  • السادة العمداء،
  • حضرات الزميلات والزملاء الأفاضل،
  • السيّدات والسّادة الكرام،

إنّ الدستور عندما أكّد على حرية المحاماة إنما كان ذلك لضمان حرية المتقاضين. إذ كيف يمكن لذلك المواطن الذي يطلب العدل والإنصاف من قويٍّ تجبّر أو ذاك الذي زلَّت به القدم وأصبح ماثلاً أمام القضاء أن يدافع عن حقه في محاكمة عادلة تُضمن له فيها جميع حقوق الدفاع إذا لم يكن إلى جانبه محام لا تأخذه في الحقّ لومة لائم يشعر بالحرية والاستقلالية في مباشرة مهامه دون تجاوز للقانون ؟

لذلك كنت، حتى وأنا مسؤولٌ في الدولة، أسعى وأعملُ دومًا على تكريس أُسس حرية هذه المهنة النبيلة واستقلاليتها. ولا شك أن المحامي لا يشعر بالاطمئنان عند أدائه لمهامه إلا إذا تمتّع بنوعٍ من الحصانة.

وإني لأتذكر جيدا المعارك التي خاضتها المحاماة بواسطة عُمدائها ومجالس هيئاتها، ومنها معركة توحيد المدخل التي تجسمت في هذا المعهد الأعلى للمحاماة، هذا الصرح الذي أصبح يُنجب نساء ورجال المحاماة الذين سيتحملون مشعل الدفاع لتركيز دولة القانون والمؤسسات.

ولقد دامت هذه المعارك عدّة أعوام حتى جاءت الثورة المباركة، التي لعبت المحاماة دورا هامّا في حمايتها ومَنْعِ الزّيغِ بها عن الأهداف التي انطلقت من أجلها.

ولقد شاءت الأقدار أن أتولى الوزارة الأولى بعد الثورة وأن أشارك في تحقيق حلم المحامين وذلك من خلال إصدار المرسوم رقم 79 لسنة 2011 المؤرخ في 20 أوت 2011 والذي كرَّس فصلُه السابع والأربعون نوعا من الحصانة للمحامين أثناء أدائهم لمهامهم، ولعل هذه الحصانة النسبية تمكن المحامي من القيام بواجبه على أحسن وجه في انتظار تطويرها نحو الشمول.

وقد كنت ولا أزال على يقين من أنّ المحامين لا يطالبون بالحصانة لأشخاصهم وإنما لمصلحة العدالة وصيانة حقوق المواطنين وإظهارها في أسمى تجلياتها أمام القاضي الذي يحتاج دائما في أحكامه لدفاع صلب ونزيه يُعينه على الوصول إلى الحق المنشود.

 

  • السيد مدير المعهد الأعلى للمحاماة،
  • السادة العمداء،
  • حضرات الزميلات والزملاء الأفاضل،
  • السيّدات والسّادة الكرام،

لقد لعبت المحاماة دورا هاما في تاريخ تونس وليس من قبيل الصدفة أن يكون العديد من زعمائها من المحامين وعلى رأسهم المحامي الزعيم الحبيب بورقيبة الذي، منذ أن تسلم المشعل في مؤتمر قصر هلال 1934، نذر حياته للدفاع عن حرية هذا الوطن واستقلاله وتخليصه من براثن الاستعمار.

ولقد شارك المحامون في الكفاح ضد المستعمر إلى أن تحررت البلاد ثم شاركوا في تسيير حكوماتها المتعاقبة وتركيز إدارتها التي، رغم ما مرت به البلاد من أحداث، بقيت ثابتة مستقرة تؤدي خدماتها للمواطنين.

 

  • السيد مدير المعهد الأعلى للمحاماة،
  • السادة العمداء،
  • حضرات الزميلات والزملاء الأفاضل،
  • السيّدات والسّادة الكرام،

لا بأس من التأكيد، بمناسبة هذه الذكرى الطيبة وأنا أخاطب محاميي المستقبل حتى يتبيّنوا ما قام به أسلافهم في سبيل عزّة مهنة المحاماة وأيضا ما قاموا به في سائر مراحل النّضال الوطني عندما تجنّدوا دفاعا عن الحرّيات والدّيمقراطيّة أو بعد الثورة عندما ساهموا في إنقاذ البلاد من أتون التدافع والتناحر والتقاتل طلبا لإنجاح الحوار الوطني والانتقال الديمقراطي.

ولقد كان للمحاماة دور أساسي في إنجاح مسار الحوار الوطني الذي كُلِّل بإسناد جائزة نوبل للسّلام لسنة 2015 للرّباعي الرّاعي للحوار وهيئة المحامين جزء منه.

ومثلما كان للمحاماة دور هام في سائر مراحل الكفاح التحرري، وأيضا مثلما كان دورها متميزا في المشاركة في احتضان الثورة، فإن من الواجب أن يكون لها اليوم وغدا دور هام في المشاركة في إنجاح المسار الديمقراطي الذي نحن الآن بصدد بنائه باعتباره العامل الأساسي الذي يحقق الاستقرار والعدل والرخاء والمساواة لكل المواطنين دون تمييز.

إنّنا مستمرون في استكمال بناء الصّرح الدّيمقراطي بتركيز مختلف الهيئات الدّستورية الكفيلة بإرساء الديمقراطية ودولة القانون وبناء مجتمع حرّ يتمتّع فيه المواطنات والمواطنون بالمساواة في جميع حقوقهم.

 

وفقكم الله إلى ما فيه مصلحة الوطن وخير هذه المهنة.

عاشت تونس حرّة منيعة أبد الدّهر.

والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

المكان : مدينة تونس
التاريخ: 12 ديسمبر 2018
شارك :

الأخبار ذات الصلة

الصفحات

Layout Settings